أكد الخبير المصرفي هاني أبو الفتوح أن التغيرات السريعة في منطقة الخليج تستدعي من الاقتصادات الناشئة درجة عالية من اليقظة والانضباط، حيث تمتد تأثيرات هذه التغيرات إلى دول عديدة ليست فقط منخرطة في الصراع، بل تشمل مناطق أوسع نتيجة لتشابك المصالح وحركة التجارة العالمية.
وأشار أبو الفتوح إلى أن مصر، كونها لاعبًا رئيسيًا في مجالات النقل والطاقة، تتأثر بشكل مباشر بأي اضطراب في سلاسل الإمداد أو أسواق النفط العالمية.
وأوضح أن التأثيرات تبدأ من أسعار الطاقة، حيث تتفاعل الأسواق مع المخاطر المحتملة قبل حدوثها، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار كوسيلة للتحوط.
كما أضاف أن أي زيادة مستمرة في أسعار النفط تؤثر على فاتورة الاستيراد وتضغط على ميزان المدفوعات، خاصة مع الحاجة لاستيراد بعض المنتجات البترولية.
وتابع بأن هذه الضغوط لا تقتصر على الأرقام فقط، بل تشمل تكاليف الإنتاج والنقل، مما ينعكس على معدلات التضخم المحلية، ويضع السياسة النقدية أمام تحدٍ مزدوج بين كبح الأسعار والحفاظ على النشاط الاقتصادي.
وأكد أن قناة السويس تظل من أهم أعمدة الاستقرار النقدي، موضحًا أن الإيرادات قد تتأثر حتى دون إغلاق كامل للمجرى الملاحي، حيث يكفي تغيير مسارات بعض الخطوط الكبرى لتتراجع الحصيلة الدولارية بشكل ملحوظ.
وأشار إلى أن هذه العوائد تمثل مصدرًا مستقرًا للعملة الأجنبية، وأي تذبذب فيها يقلل من مرونة صانع القرار في إدارة سوق الصرف وتمويل الواردات الاستراتيجية.
ولفت إلى أن الثقة تعد من العوامل الحساسة في هذه الأوقات، حيث يعيد المستثمرون تقييم مراكزهم في ظل ارتفاع المخاطر الجيوسياسية.
كما أشار إلى أن الاستثمارات قصيرة الأجل، التي تتميز بسرعة الحركة، قد تخرج من الأسواق الناشئة بحثًا عن ملاذات أكثر أمانًا، مما يؤدي إلى فجوات في السيولة الدولارية وزيادة تقلبات سوق الصرف.
وأضاف أن ارتفاع أسعار الذهب في مثل هذه الظروف يعكس ميلًا للتحوط، لكنه حذر من تحول هذا السلوك إلى ظاهرة عامة بين الأفراد، مما قد يسبب ضغوطًا إضافية على العملة المحلية.
وأوضح أبو الفتوح أن الاحتياطي النقدي يمثل خط الدفاع الأول ضد الصدمات الخارجية، مؤكدًا أن قيمته الحقيقية تتعلق بكفاءة توظيفه وقدرة الاقتصاد على تعويض ما يُستخدم منه.
وأشار إلى أن الاحتياطي أداة لإدارة الأزمات وليس هدفًا بحد ذاته، حيث ترتبط استدامته بتدفقات مستقرة من النقد الأجنبي، مثل السياحة وتحويلات المصريين بالخارج والاستثمار المباشر.
وأضاف أن السياسة النقدية تواجه معادلة دقيقة، إذ إن رفع أسعار الفائدة قد يساعد في احتواء التضخم ودعم العملة، لكنه في نفس الوقت يرفع كلفة التمويل على الشركات والحكومة، مما قد يبطئ النمو.
وألمح إلى أن المبالغة في أي اتجاه، سواء بالتشديد أو التيسير، تحمل مخاطر، مما يجعل تحقيق التوازن ضرورة ملحة في هذه المرحلة.
وأكد على أن استمرار مسار الإصلاح الاقتصادي يعزز مصداقية الدولة أمام المؤسسات الدولية والمستثمرين، مشيرًا إلى أن الصدمات الخارجية قد تفرض مرونة في التوقيت، لكنها لا تبرر التراجع عن الأهداف الهيكلية.
ولفت إلى أن إدارة الدين الخارجي ترتبط بقدرة الاقتصاد على توليد تدفقات مستدامة من العملة الصعبة، مشيرًا إلى أن تنويع مصادر التمويل وتوسيع قاعدة الصادرات يمثلان ركيزة أساسية لتخفيف الضغوط.
واختتم بالتأكيد على أن الاقتصاد المصري اليوم أكثر قدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بمراحل سابقة، لكنه ليس بمعزل عن التطورات الإقليمية، مشيرًا إلى أن المرحلة المقبلة تتطلب هدوءًا في اتخاذ القرار وشفافية في التواصل وإدارة واعية للتوقعات، حيث إن الأسواق لا تتحرك بالأرقام وحدها، بل بما يتجذر في أذهان المستثمرين والمواطنين من تصورات عن المستقبل.

