أكد الدكتور محمد باغة، أستاذ التمويل والاستثمار بجامعة قناة السويس، أن التأثيرات الناتجة عن الهجوم الأمريكي والإسرائيلي على إيران أو التوترات الإقليمية لا تقتصر على الجانب الجيوسياسي، بل تؤثر بشكل مباشر على الأمن القومي الاقتصادي المصري من خلال ثلاث قنوات مترابطة تشمل صدمة الأسعار، صدمة العملة، والتمويل الخارجي، بالإضافة إلى صدمة الإيرادات الاستراتيجية، وخاصة إيرادات قناة السويس.
وأشار باغة في تصريحات خاصة إلى أن خطورة الوضع تكمن في ترابط هذه القنوات، حيث تتسبب في ضغط على الموازنة العامة، مما يؤدي إلى تأثيرات على سعر الصرف، وارتفاع معدلات التضخم، وبالتالي التأثير على القدرة الشرائية والاستقرار الاجتماعي. هذا الترابط يزيد من حساسية الاقتصاد تجاه أي تصعيد جغرافي أو زمني.
وأوضح أن القناة الأولى تتعلق بصدمة أسعار الطاقة والغذاء والنقل والتأمين، حيث تؤدي الحروب إلى زيادة علاوة المخاطر على أسعار النفط والغاز عالميًا، مما ينعكس سريعًا على تكاليف الشحن وسلاسل الإمداد. أي ارتفاع عالمي في أسعار الوقود يمكن أن ينتقل إلى السوق المحلي، خاصة مع توجه الدولة لتقليص دعم الوقود تدريجيًا، مما يؤثر على مؤشر الأسعار.
أضاف أن التضخم في هذه الحالة سيكون ناتجًا عن ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل، وليس فقط نتيجة زيادة الطلب. ورغم تراجع التضخم في مصر مقارنة بذروته في عام 2023، حيث سجل 11.9% في يناير 2026، إلا أن التحسن لا يلغي احتمالات عودة الضغوط التضخمية في حال تجدد الصدمات الخارجية.
أما القناة الثانية، فتتعلق بالعملة الأجنبية، حيث تزيد الحرب من فاتورة الاستيراد، خصوصًا للسلع الاستراتيجية مثل الطاقة والقمح والزيوت، مما يرفع الحاجة إلى الدولار لتغطية تكاليف الشحن. وفي ظل هذه الظروف، قد تتراجع بعض مصادر النقد الأجنبي مثل إيرادات قناة السويس والسياحة.
ورغم تحسن الاحتياطيات الدولية، التي بلغت نحو 59.9 مليار دولار بنهاية سبتمبر 2025، تظل الضغوط قائمة نتيجة احتياجات إعادة التمويل الخارجي وتقلبات شهية المستثمرين عالميًا.
بالنسبة للقناة الثالثة، تتعلق بإيرادات قناة السويس كمورد استراتيجي، حيث أن أي اضطراب في حركة التجارة العالمية قد يؤثر سلبًا على تدفقات الإيرادات، مما ينعكس على الموازنة وسعر الصرف.
وفيما يخص الاستثمارات الأجنبية، توقع باغة أن يقوم المستثمرون بإعادة تسعير المخاطر في حال استمرار التصعيد، مما يعني طلب عوائد أعلى أو تأجيل قرارات الاستثمار، خاصة في القطاعات المعتمدة على الاستيراد. ومع ذلك، أشار إلى أن هناك فرصًا قد تظل قائمة في القطاعات التصديرية إذا تم دعمها بسياسات واضحة.
أكد باغة أن إدارة هذه التداعيات تتطلب سياسات استباقية مرنة توازن بين الاستقرار النقدي وتحفيز الإنتاج المحلي، مشددًا على أن تقليل الاعتماد على الواردات وتعزيز قاعدة التصدير يمثلان خط الدفاع الأول في مواجهة الصدمات الإقليمية.

