في ظل الظروف الإقليمية الحالية، تتجه الأنظار إلى كيفية تعامل مصر مع التحديات المتزايدة في قطاع الطاقة، خاصة مع تصاعد التوترات الناتجة عن الحرب على إيران وما تلاها من عمليات عسكرية أثرت على إمدادات النفط والغاز في منطقة تعتبر مركزًا حيويًا لهذه الموارد.
استراتيجيات مصر لتأمين إمدادات الطاقة
تسارعت الأحداث في الخليج وشرق المتوسط، مما أعاد إلى الأذهان مخاطر تعطل خطوط الإمداد وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وهو ما أثر سلبًا على الأسواق العالمية وزاد من الضغوط على الدول المستوردة للطاقة، ومن بينها مصر.
في هذا السياق، أعلنت وزارة البترول والثروة المعدنية عن اتخاذ خطوات مبكرة ضمن خطة شاملة لتأمين إمدادات الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية، بالتعاون مع مجلس الوزراء والجهات المعنية، مع إدراكها لأهمية أمن الطاقة في تعزيز الأمن القومي.
تكشف المصادر أن غرفة العمليات المعنية بملف الطاقة قد رفعت مستوى الاستعداد منذ بداية التوترات، حيث يتم تقييم المخزون المتاح يوميًا وتنظيم الشحنات المتعاقد عليها مع إعطاء الأولوية لمحطات الكهرباء والقطاعات الحيوية.
كما تم التنسيق مع الجهات المعنية لمراجعة سيناريوهات الطوارئ، بما في ذلك خطط إعادة توزيع الأحمال الصناعية إذا لزم الأمر، مع الحفاظ على احتياجات المواطنين الأساسية.
جاءت هذه التحركات في وقت توقفت فيه إمدادات الغاز من شرق المتوسط عبر بعض الخطوط نتيجة التطورات العسكرية، مما استدعى تفعيل بدائل تم إعدادها مسبقًا لمواجهة مثل هذه الظروف.
الحرب على إيران أثرت أيضًا على أسواق الطاقة من عدة جوانب، منها المخاوف المتعلقة بأمن الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره ما يقرب من خُمس تجارة النفط العالمية، وارتفاع علاوات المخاطر على الشحن البحري، بالإضافة إلى اضطراب تدفقات الغاز في شرق المتوسط.
نتيجة لهذه العوامل، شهدت الأسعار العالمية موجات ارتفاع حادة خلال فترات قصيرة، مما زاد من الأعباء على ميزانيات الدول المستهلكة.
عززت مصر، التي تعتمد على مزيج من الإنتاج المحلي والاستيراد، تعاقداتها على شحنات إضافية من الغاز الطبيعي المسال حتى عام 2025، كما قامت بتنويع مصادر الإمداد وإبرام اتفاقات طويلة الأجل مع شركات عالمية.
تم تجهيز بنية تحتية متكاملة لاستقبال الواردات، تشمل سفن التغييز ومحطات الاستقبال، مما يمنح الدولة مرونة في توجيه الشحنات وفقًا لتطورات السوق.
تعكس هذه الخطوات تحول إدارة ملف الطاقة من رد الفعل إلى التخطيط متعدد السيناريوهات، حيث يتيح وجود سفن تغييز عاملة وتوافر طاقات استقبال كافية تعويض أي نقص مفاجئ في الإمدادات الإقليمية، ويضمن استمرار ضخ الغاز إلى محطات الكهرباء والقطاع الصناعي دون انقطاعات.
في الوقت نفسه، تركز الدولة على دعم الإنتاج المحلي من خلال انتظام سداد مستحقات الشركاء الأجانب، مما يعزز أنشطة البحث والاستكشاف، ويسرع من خطط تنمية الحقول القائمة، وهو ما يقلل الاعتماد على الاستيراد ويعزز الاكتفاء النسبي.
أما بالنسبة للمنتجات البترولية، فقد تم رفع معدلات التكرير في المعامل المصرية، وتنفيذ برامج صيانة لضمان التشغيل بكفاءة، مع تكوين أرصدة استراتيجية من البنزين والسولار والبوتاجاز، واستغلال شبكة المستودعات والصهاريج بشكل فعال.
الحرب على إيران، وما قد تحمله من احتمالات اتساع الصراع أو تعرض منشآت الطاقة الإقليمية لهجمات، تبقى ضاغطة على أسواق الطاقة لفترة قد تطول، وفي حال استمرار التوتر، قد نشهد تقلبات أكبر في أسعار النفط والغاز وارتفاع تكاليف التأمين والشحن، مما ينعكس على تكاليف الإنتاج والكهرباء عالميًا، ولكن قدرة مصر على تنويع مصادرها وبناء مخزوناتها وتطوير بنيتها التحتية تمنحها مرونة أكبر مقارنة بالمراحل السابقة.

