قال الدكتور رؤوف حسين الخبير الاقتصادي إن تصريحات الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية عكست مجموعة من الرسائل المهمة التي تعكس طبيعة المرحلة الحالية التي يمر بها الاقتصاد المصري في ظل الأزمات العالمية المتتالية والضغوط الداخلية، مما يجعل المصارحة الاقتصادية أداة رئيسية في إدارة الأزمات.
التحديات الاقتصادية في مصر
أوضح الخبير الاقتصادي أن الرئيس أشار إلى أن مصر تستهلك منتجات بترولية تصل قيمتها إلى حوالي 20 مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل تقريباً تريليون جنيه مصري وفق أسعار الصرف الحالية، وهذا الرقم يعكس الضغط الكبير الذي تتحمله الدولة لتوفير الطاقة للاقتصاد الوطني، حيث يذهب الجزء الأكبر من هذا الاستهلاك لتشغيل محطات الكهرباء والصناعة وليس فقط لوقود السيارات كما يعتقد البعض.
كما أضاف أن هذه الأرقام تشير إلى معادلة معقدة، فمصر التي يتجاوز عدد سكانها 105 ملايين نسمة تعتمد بشكل كبير على الطاقة المدعومة للحفاظ على استقرار الأسعار والإنتاج، ووفق بيانات وزارة البترول والثروة المعدنية، فإن الطلب المحلي على الطاقة يرتفع سنوياً بنسبة تتراوح بين 5% و7% نتيجة النمو السكاني والتوسع الصناعي.
هذا يعني أن استمرار الاستهلاك بنفس المعدلات قد يؤدي إلى زيادة فاتورة الطاقة إلى ما يقارب 25-27 مليار دولار سنوياً خلال خمس سنوات إذا لم يتم اتخاذ خطوات لزيادة الإنتاج المحلي أو تحسين كفاءة الاستهلاك، ولذلك أشار الرئيس إلى أن الاقتراض بالعملة الصعبة لتغطية هذه الفاتورة ليس خياراً مستداماً وقد يؤدي إلى حلقة مفرغة من الديون.
خسائر قناة السويس وتأثير الأزمات العالمية
تابع الخبير الاقتصادي أن الرئيس تناول أيضاً خسارة مصر نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس منذ عام 2020 نتيجة الأزمات العالمية والتوترات الجيوسياسية، حيث تعد هيئة قناة السويس من أهم مصادر العملة الصعبة للاقتصاد المصري، وقد حققت القناة إيرادات قياسية بلغت حوالي 9.4 مليار دولار في عام 2023 قبل أن تتراجع بسبب اضطرابات الملاحة العالمية.
تشير التقديرات إلى أن أي انخفاض بنسبة 10% في حركة التجارة العالمية قد يؤثر بشكل مباشر على إيرادات القناة بما يتراوح بين 800 مليون إلى مليار دولار سنوياً، مما يمثل ضغطاً حقيقياً على ميزان المدفوعات المصري في ظل التزامات الاستيراد المرتفعة للطاقة والقمح والسلع الأساسية.
الإصلاح الاقتصادي بين الضرورة والقبول المجتمعي
أكد الرئيس خلال اللقاء أن الإصلاح الاقتصادي ليس خياراً بل ضرورة، حيث يرتبط ذلك مباشرة ببرنامج الإصلاح الذي بدأته مصر منذ عام 2016 بالتعاون مع صندوق النقد الدولي والذي استهدف تحرير سعر الصرف وإعادة هيكلة الدعم وتحسين بيئة الاستثمار.
لكن التحدي الحقيقي في أي برنامج إصلاحي لا يقتصر على المعادلات المالية بل يمتد إلى إدارة التوازن الاجتماعي، ولهذا شدد الرئيس على أن الحكومة تحاول دائماً اختيار القرار الأقل تكلفة على المواطنين، مما يعكس إدراكها لحساسية الأوضاع المعيشية في ظل معدلات تضخم مرتفعة شهدتها مصر في السنوات الأخيرة.
وفق بيانات البنك المركزي المصري، تجاوز معدل التضخم في بعض الفترات خلال عامي 2023 و2024 حاجز 30%، مما شكل ضغطاً كبيراً على القوة الشرائية للأسر.
ضبط الأسواق ورسالة الردع
أشار الرئيس السيسي إلى أهمية التعامل الحاسم مع المتلاعبين بالأسعار، حيث تم دراسة إحالة المخالفين إلى القضاء العسكري كرسالة سياسية واقتصادية في آن واحد، خاصة وأن الاقتصاد المحلي يحتاج إلى انضباط السوق بقدر حاجته إلى الإصلاحات الهيكلية.
تشير الدراسات الاقتصادية إلى أن ما بين 10% و15% من ارتفاع الأسعار في بعض الأسواق النامية قد يكون ناتجاً عن ممارسات احتكارية أو مضاربات وليس فقط عن التكلفة الفعلية للإنتاج، لذا فإن تشديد الرقابة على الأسواق يمثل محاولة لحماية المستهلك ومنع تحويل الأزمات الاقتصادية إلى فرص ربح غير مشروع لبعض التجار.
الشفافية كأداة لإدارة الأزمات
أكد الدكتور رؤوف حسين أن الرسالة الأهم في تصريحات الرئيس السيسي كانت دعوة الحكومة لمصارحة المواطنين بالحقائق الاقتصادية، حيث تعد الشفافية عنصراً أساسياً للحفاظ على الثقة بين الدولة والمجتمع، خاصة عندما تضطر الحكومات إلى اتخاذ قرارات صعبة.

