تدخل صناعة الغاز الطبيعي في مصر مرحلة جديدة تتعلق بتنشيط أنشطة البحث والاستكشاف في البحر المتوسط، وذلك في ظل التحولات الجيوسياسية التي تعيد تشكيل خريطة الطاقة العالمية، مما يدفع الدول المنتجة والمستهلكة للبحث عن مصادر أكثر استقرارًا للإمدادات.
استكشاف الغاز في البحر المتوسط
تسعى الدولة المصرية إلى فتح آفاق جديدة للاستثمار في مناطق واعدة بالبحر المتوسط، مع تعزيز الثقة في بيئة الاستثمار في قطاع الطاقة. تأتي هذه الجهود في إطار حرص الحكومة على إتاحة المعلومات بشفافية للجمهور، استجابة لتوجيهات الرئيس عبدالفتاح السيسي، الذي أكد على أهمية توضيح الحقائق المتعلقة بالتحديات الاقتصادية وملف الطاقة خلال كلمته في حفل إفطار الأسرة المصرية.
أشار المهندس كريم بدوي، وزير البترول والثروة المعدنية، إلى أن توجيهات الرئيس السيسي بسداد المتبقي من مستحقات شركاء الاستثمار في قطاع البترول والغاز تعكس رسالة ثقة قوية للمستثمرين الدوليين، وتؤكد التزام الدولة بتعزيز مناخ الاستثمار ودعم الشراكات الدولية في أنشطة البحث والاستكشاف.
وفي تصريحات له بعد اجتماع الجمعية العامة للشركة القابضة للغازات الطبيعية، أوضح الوزير أن تسوية مستحقات الشركاء تُعد من المحفزات الأساسية لجذب شركات الطاقة العالمية لتوسيع استثماراتها وضخ رؤوس أموال جديدة في عمليات الحفر والتنقيب، مما يفتح الباب لاكتشافات جديدة ويعزز خطط زيادة الإنتاج المحلي من الغاز الطبيعي.
تتزامن هذه التحركات مع استمرار التوتر في أسواق الطاقة العالمية، في ظل تصاعد المخاطر الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وما يرافق ذلك من مخاوف بشأن أمن إمدادات النفط والغاز عبر الممرات البحرية الحيوية، مثل مضيق هرمز الذي يعتبر نقطة عبور رئيسية لتجارة الطاقة العالمية.
كما تبرز منظومة سفن التغييز كحل سريع لدعم قدرة الدولة على استقبال الغاز الطبيعي المسال وتحويله إلى حالته الغازية لضخه في الشبكة القومية، مما يسهم في تأمين احتياجات السوق المحلي، خاصة في أشهر الصيف التي يرتفع فيها الطلب على الكهرباء.
مزايدات جديدة وخطط مستقبلية
في سياق متصل، أعلنت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية عن طرح مزايدة جديدة للبحث عن الغاز في عدة مناطق غرب البحر المتوسط، وهي مناطق تكتسب أهمية كبيرة نظرًا للاكتشافات الضخمة في منطقة شرق المتوسط خلال السنوات الأخيرة.
تشمل الخطة المستقبلية تنفيذ برنامج استكشافي واسع يتضمن حفر 17 بئرًا استكشافية خلال العام المالي المقبل، بالإضافة إلى تنفيذ المرحلة الأولى من مشروع مسح سيزمي متقدم في شرق المتوسط، بهدف توفير بيانات جيولوجية دقيقة تدعم فرص اكتشاف مكامن غازية جديدة.
يجري أيضًا تقييم نتائج عدد من الآبار الاستكشافية الجديدة، مع الاستعداد لحفر آبار إضافية خلال الفترة المقبلة ضمن برنامج مكثف يهدف إلى تعزيز الاحتياطيات المكتشفة وزيادة معدلات الإنتاج.
وفيما يتعلق بتنمية الحقول، تستهدف الخطط إضافة عشرات الآبار الجديدة إلى خريطة الإنتاج وتنفيذ مشروعات تنمية متكاملة لعدد من الحقول الغازية، في إطار توجه يركز على الاستفادة القصوى من البنية التحتية القائمة وتسريع إدخال الاكتشافات الجديدة إلى مرحلة الإنتاج.
تعكس هذه التحركات استراتيجية أوسع لتعزيز أمن الطاقة في مصر وترسيخ موقعها كمركز إقليمي لتجارة الغاز في شرق المتوسط، مستفيدة من شبكة بنية تحتية متطورة تضم خطوط نقل الغاز ومحطات الإسالة وموانئ التصدير، إضافة إلى موقع جغرافي يمنحها ميزة استراتيجية تربط بين أسواق الطاقة في الشرق الأوسط وأوروبا.

