لم تعد الحروب مجرد صراعات عسكرية بين الدول، بل أصبحت جزءًا من نظام اقتصادي متكامل يحقق أرباحًا هائلة ويعيد تشكيل موازين القوى العالمية، وفقًا لأحدث بيانات معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام لعام 2025.

إيرادات أكبر 100 شركة سلاح في العالم بلغت نحو 679 مليار دولار في عام 2024، مع توقع استمرار النمو في 2025 نتيجة الحرب في أوكرانيا والتصعيد في الشرق الأوسط، مما يعكس أن “اقتصاد الحرب” أصبح محركًا رئيسيًا للنشاط الاقتصادي العالمي، خصوصًا في أوقات الأزمات.

الحرب الروسية الأوكرانية

الحرب الروسية الأوكرانية كانت نقطة تحول مهمة، حيث أدت إلى زيادة الطلب على السلاح في أوروبا، التي زادت وارداتها بنسبة 210% بين 2021 و2025، لتصبح أكبر سوق للسلاح عالميًا. الولايات المتحدة عززت هيمنتها على هذا السوق، حيث استحوذت على حوالي 43% من صادرات السلاح العالمية، وحققت شركاتها الدفاعية ما يقارب نصف إجمالي الإيرادات في هذا القطاع.

ارتفاع أسعار النفط

لكن المستفيدين من الحروب لا يقتصرون على شركات السلاح فقط. مع تصاعد التوترات، خاصة في منطقة الخليج، ترتفع أسعار الطاقة بشكل ملحوظ، مما يحقق أرباحًا ضخمة لشركات النفط والغاز مثل “ExxonMobil” و”Shell”. بعض هذه الشركات سجلت أرباحًا سنوية تجاوزت 50 إلى 60 مليار دولار، مستفيدة من ارتفاع الأسعار العالمية الناتجة عن الحروب، وليس بالضرورة من زيادة الإنتاج. هنا، تتحول الحروب إلى أداة غير مباشرة لإعادة توزيع الثروة على مستوى العالم.

إلى جانب الطاقة، تستفيد شركات الشحن والتأمين بشكل كبير، حيث تؤدي الحروب إلى تعطيل سلاسل الإمداد وزيادة تكاليف النقل عبر ما يُعرف بـ”علاوات المخاطر”. كما برز قطاع التكنولوجيا كلاعب رئيسي في الحروب الحديثة، مع صعود شركات مثل “Palantir Technologies” التي تقدم حلولًا تحليلية واستخباراتية تعتمد على الذكاء الاصطناعي، مما فتح سوقًا جديدًا بمليارات الدولارات مرتبطًا مباشرة بالعمليات العسكرية.

تكلفة إعادة الإعمار

“بيزنس الحروب” لا يتوقف عند مرحلة القتال، بل يمتد إلى ما بعدها، حيث تدخل شركات البناء والبنية التحتية في سباق على عقود إعادة الإعمار. في حالة أوكرانيا وحدها، تقدر تكلفة إعادة الإعمار بأكثر من 400 مليار دولار، وهو ما يمثل فرصة اقتصادية هائلة لشركات عالمية. كما يستفيد القطاع المالي من تمويل هذه العمليات، سواء عبر القروض أو الاستثمارات أو المضاربة في أسواق السلع التي تشهد تقلبات حادة خلال الحروب.

تداعيات الحرب الإيرانية

التصعيد مع إيران يمثل حالة خاصة ذات تأثير عالمي واسع، نظرًا لموقعها في قلب سوق الطاقة العالمي. خلال ذروة التوتر، ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 50% لتتجاوز 100–110 دولار للبرميل، مع تسجيل مستويات وصلت إلى 164 دولارًا في بعض التقديرات، خاصة مع تهديد الملاحة في مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 20% من تجارة النفط العالمية.

إذا انتهت الحرب مع إيران، فإن الاقتصاد العالمي سيتجه إلى واحد من ثلاثة مسارات رئيسية. في السيناريو المتفائل، حيث تنتهي الحرب سريعًا دون أضرار كبيرة في البنية التحتية، من المتوقع أن يستعيد الاقتصاد العالمي نموًا يتراوح بين 3.2% و3.3% خلال عامي 2026 و2027، مع تراجع أسعار النفط إلى نطاق 80–95 دولارًا للبرميل. لكن حتى في هذا السيناريو، سيظل التضخم أعلى من المستويات الطبيعية، حيث إن كل زيادة بنسبة 10% في أسعار النفط تؤدي إلى رفع التضخم العالمي بنحو 0.4 نقطة مئوية.

أما السيناريو الثاني، الأكثر واقعية، فيفترض استمرار التوترات حتى بعد انتهاء العمليات العسكرية، مما يعني بقاء أسعار النفط في نطاق 100–120 دولارًا. في هذه الحالة، سيواجه الاقتصاد العالمي تباطؤًا واضحًا، مع ارتفاع التضخم إلى ما بين 3.3% و4.1% في بعض الاقتصادات الكبرى خلال 2026، وتراجع النمو في أوروبا إلى أقل من 1%، مما يقترب من حالة “الركود التضخمي”.

السيناريو الثالث، وهو الأسوأ، يتمثل في حدوث أضرار طويلة الأمد للبنية التحتية للطاقة أو استمرار اضطراب الإمدادات. في هذه الحالة، قد يفقد العالم ما بين 8% و9% من إمدادات النفط والغاز، مع ارتفاع الأسعار إلى حدود 150 دولارًا للبرميل، مما قد يدفع الاقتصاد العالمي إلى نمو أقل من 2% ويزيد من احتمالات الدخول في ركود عالمي.

لذا، فإن الأثر الأعمق لما بعد الحرب لن يكون فقط في النمو والتضخم، بل في إعادة تشكيل هيكل الاقتصاد العالمي. الصدمات الحالية كشفت هشاشة الاعتماد على ممرات الطاقة التقليدية، مما سيدفع الدول إلى تسريع الاستثمار في بدائل مثل الطاقة المتجددة والغاز المسال خارج منطقة الخليج، كما أن اضطراب سلاسل الإمداد، من الغذاء إلى الأسمدة والدواء، قد يؤدي إلى موجة تضخم غذائي جديدة، خاصة أن نحو ثلث تجارة الأسمدة العالمية يمر عبر المنطقة المتأثرة.