في ظل محاولات الاقتصاد المصري استعادة توازنه بعد سنوات من الضغوط، جاءت الحرب الإيرانية لتزيد من تعقيد الوضع، مما أدى إلى ظهور تحديات جديدة تؤثر على كافة جوانب الاقتصاد، من الطاقة وسعر الصرف إلى الاستثمار والتضخم. تشير البيانات الأولية إلى أن تأثير هذه الحرب على مصر أصبح ملموسًا، حيث بدأت تظهر تداعياتها بشكل واضح في مؤشرات الاقتصاد الكلي.
تأثير الحرب على قطاع الطاقة
أبرز التداعيات كانت في قطاع الطاقة، حيث ارتفعت تكلفة واردات الوقود بشكل كبير. وفقًا لبيانات حديثة، تضاعفت فاتورة واردات الطاقة في مصر، حيث قفزت تكلفة استيراد الغاز الطبيعي شهريًا من حوالي 560 مليون دولار إلى 1.65 مليار دولار لنفس الكميات، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف، نتيجة ارتفاع الأسعار العالمية. كما ارتفع سعر النفط من نحو 69 دولارًا إلى أكثر من 108 دولارات للبرميل، مما يشكل ضغطًا مباشرًا على الموازنة العامة للدولة، وقد ترفع هذه الزيادة الإنفاق الحكومي بنحو 0.55% من الناتج المحلي الإجمالي.
التداعيات على سوق الصرف والاستثمار
لم تتوقف الخسائر عند حدود الطاقة، بل امتدت إلى سوق الصرف والاستثمار. خلال الأيام الأولى من التصعيد، تراجع الجنيه المصري بنحو 3.8% ليتجاوز مستوى 50 جنيهًا للدولار، مع خروج استثمارات أجنبية بمليارات الدولارات من أدوات الدين المحلية. كما شهدت البورصة خسائر فورية بلغت حوالي 21.2 مليار جنيه من القيمة السوقية، وسط موجة بيع من المستثمرين الأجانب.
تلقى قطاع الطاقة ضربة إضافية مع توقف إمدادات الغاز من شرق المتوسط، التي كانت تقدر بنحو 1.1 مليار قدم مكعب يوميًا، مما أجبر الحكومة على اللجوء إلى استيراد شحنات إضافية بأسعار مرتفعة لتأمين احتياجات الكهرباء. وقد اتخذت الحكومة إجراءات جديدة لترشيد استهلاك الطاقة، مثل تعديل مواعيد غلق المحلات التجارية وتخفيف أيام عمل الموظفين.
الضغوط على الإيرادات الدولارية
على صعيد الإيرادات الدولارية، تواجه مصر ضغوطًا متزايدة على مصادرها الرئيسية. التوترات الإقليمية أثرت على حركة الملاحة، حيث بدأت شركات شحن كبرى في تقليل مرورها عبر قناة السويس، مما يهدد أحد أهم مصادر النقد الأجنبي. وقد تراجعت إيرادات القناة سابقًا إلى نحو 900 مليون دولار مقارنة بـ 1.1 مليار دولار، نتيجة اضطرابات الملاحة أثناء الحرب الإسرائيلية على غزة.
تأثير الحرب على القطاعات الحساسة
تتجاوز التداعيات أيضًا قطاعات مثل السياحة والاستثمار، حيث تشير تقديرات وكالات التصنيف إلى أن الحرب تؤثر على القطاعات الحساسة مثل السياحة والاستثمار الأجنبي، مع ارتفاع تكلفة التمويل الخارجي وتشديد الأوضاع المالية. هذه العوامل تجعل الاقتصاد المصري من أكثر الأسواق الناشئة عرضة لتداعيات الصراع، كونه مستوردًا صافيًا للطاقة.
مخاوف من موجة تضخمية جديدة
تتزايد المخاوف من موجة تضخمية جديدة، حيث تشير تقديرات بنوك الاستثمار إلى أن ارتفاع بنسبة 10% في أسعار الطاقة قد يضيف نحو نقطة مئوية كاملة إلى معدل التضخم، مما قد يدفع التضخم للارتفاع مجددًا إلى حدود 11% أو أكثر خلال عام 2026. كما أن استمرار الحرب قد يُبقي أسعار الفائدة مرتفعة لفترة أطول، مما يضغط على الاستثمار والنمو.
آراء الخبراء حول الوضع الاقتصادي
يرى الدكتور خالد الشافعي، الخبير الاقتصادي، أن الوضع يمثل صدمة خارجية مركبة تؤثر على أكثر من قطاع في نفس الوقت. ويشير إلى أن ارتفاع أسعار النفط يعني زيادة فورية في تكلفة النقل والإنتاج، مما سينعكس على أسعار السلع الأساسية ويعيد الضغوط التضخمية بقوة.
كما يضيف أن الأخطر ليس فقط في الأسعار، بل في الضغط على العملة الأجنبية، خاصة مع تراجع إيرادات قناة السويس والسياحة وخروج الاستثمارات قصيرة الأجل، مما يجعل الاقتصاد المصري يواجه اختبارًا حقيقيًا في السيولة الدولارية.
روشتة إنقاذ للاقتصاد المصري
يطرح الشافعي روشتة إنقاذ تتضمن التوسع العاجل في الإنتاج المحلي، خاصة الغذاء والصناعة، لتقليل فاتورة الاستيراد. كما يدعو إلى إعادة هيكلة الدعم ليصبح أكثر استهدافًا وزيادة التحويلات النقدية للفئات الأكثر تضررًا، مع ربطها بمعدلات التضخم الفعلية.
من جانبه، يؤكد الدكتور علي الإدريسي أن الاقتصاد المصري يواجه مرحلة دقيقة لكنها ليست غير مسبوقة، موضحًا أن التحدي الحالي يتمثل في تزامن أكثر من أزمة في وقت واحد، من الطاقة إلى التمويل. ويشير إلى أن استمرار الحرب يعني بقاء التضخم عند مستويات مرتفعة، مما قد يؤجل أي خفض لأسعار الفائدة.
إجراءات لتعزيز الاقتصاد
يقترح الإدريسي حزمة من الإجراءات تشمل تعزيز دور القطاع الخاص وزيادة جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة بدلاً من الاعتماد على الأموال الساخنة. كما يدعو إلى تطوير شبكات الحماية الاجتماعية عبر قواعد بيانات دقيقة تضمن وصول الدعم لمستحقيه، وزيادة الاعتماد على التصنيع المحلي وتقليل الواردات غير الضرورية، خاصة في ظل الضغوط الحالية على العملة الأجنبية.

