اليمن يكشف الفرق بين القرار المؤسسي والقرار الانفعالي.
لم يعد اليمن مجرد ساحة اشتباك محلي، بل تحول إلى مختبر يكشف بدقة التفاوت بين منهجين في صناعة القرار: منهج غربي يعتمد على المؤسسات والسيناريوهات والقراءة المعمقة، ومنهج عربي تسوده الفردية وتغلب عليه ردود الفعل الآنية. هذا الفارق لا يتعلق فقط بالقدرات، بل بطبيعة البيئة السياسية وآليات صنع القرار، فحين تبني الدول الغربية قراراتها داخل غرف تقدير الموقف ومراكز الأبحاث والهيئات المشتركة، يصنع القرار العربي غالبًا داخل دائرة ضيقة مرتبطة بلحظة سياسية أو حسابات ظرفية، ما يفتح الباب أمام كلفة إنسانية وسياسية باهظة، واليمن نموذج صارخ لذلك.
القرار العربي في اليمن: غياب الرؤية الموحدة
يبدو القرار العربي في اليمن خاضعًا لمنطق مختلف تمامًا، فقد بدأ التحرك العربي بهدف واضح، لكنه سرعان ما تحول إلى سلسلة من قرارات متفرقة يغلب عليها الطابع الفردي لا المؤسسي، غابت الرؤية الموحدة، وغابت آليات المتابعة، وغابت خطط الخروج.
أزمة اليونان: نموذج للقرار المؤسسي
عندما وقعت اليونان تحت ضغط الانهيار المالي عام 2010، لم تتعامل أوروبا مع الأزمة بمنطق رد الفعل السريع أو الخطاب العاطفي، بل تشكلت “الترويكا” المكونة من المفوضية الأوروبية والبنك المركزي الأوروبي وصندوق النقد الدولي، وهي آلية مؤسسية متعددة المستويات وضعت خطة إنقاذ متكاملة، بلغ إجمالي الدعم نحو 343 مليار دولار، لكن جوهر التجربة لم يكن في حجم الأموال، بل في طريقة صنع القرار ومتابعته، استخدمت أوروبا تقارير “المراقبة المعززة” كل ثلاثة أشهر لقياس الالتزام وتنقيح الخطة، هذه المأسسة حولت أزمة اليونان من تهديد وجودي إلى مشروع إصلاح طويل الأمد.
أوكرانيا والدعم الغربي: منهج المعايرة الدقيقة
في الأزمة الأوكرانية، يظهر شكل آخر من أشكال صناعة القرار المؤسسي، فالدعم العسكري والسياسي لكييف لا يجري بدافع اندفاعي أو حسابات ضيقة، بل وفق ما يشبه “المعايرة الدقيقة”، تدرس طبيعة السلاح وتوقيت تسليمه وتوقعات رد الفعل الروسي وتأثير كل خطوة على استقرار القارة، تشارك في القرار أجهزة استخبارات ومراكز أبحاث ووزارات دفاع وهيئات تنسيق مع الحلفاء، هذه المقاربة تقلل المفاجآت وتمنع الانزلاق نحو سيناريوهات غير محسوبة.
اليمن: أزمة بنيوية نتيجة العشوائية
في المقابل، يبدو القرار العربي في اليمن خاضعًا لمنطق مختلف تمامًا، فقد بدأ التحرك العربي بهدف واضح، لكنه سرعان ما تحول إلى سلسلة من قرارات متفرقة يغلب عليها الطابع الفردي لا المؤسسي، ومع مرور الوقت، ظهرت مراكز نفوذ متعددة داخل الساحة اليمنية، بعضها بدعم غير مباشر من أطراف داخل التحالف نفسه، هذه التشظيات لم تكن نتيجة ضعف الإمكانات، بل نتيجة غياب المرجعية الإستراتيجية التي تضبط الفعل العربي وتنسقه.
تحالف بلا بوصلة: أزمة التنسيق العربي
أحداث الأشهر الأخيرة في شرقي وجنوبي اليمن كشفت عمق أزمة التنسيق العربي، إذ شهدت مناطق إستراتيجية توترًا بين قوات يفترض أن انتماءها واحد، تبعتها تصريحات متضاربة وإلغاء اتفاقيات وإجراءات أحادية الجانب، هذه التصرفات تشبه تداعيات قرار فردي غير مبني على رؤية شاملة، بينما تظهر تجربة اليونان أن 19 دولة أوروبية تمكنت من توحيد موقفها رغم تباين مصالحها الاقتصادية والاجتماعية.
غياب المؤسسة العربية: الثغرة التي تصنع الأزمات
من الجذور الأساسية لهذه الفوضى غياب مؤسسة عربية قوية قادرة على لعب دور المنسق الإستراتيجي، فجامعة الدول العربية، ورغم تاريخها الطويل، لا تملك الأدوات التي تمكنها من تخطيط شامل أو متابعة دقيقة لملفات معقدة، ولو امتلكت الدول العربية هيئة مشابهة للمفوضية الأوروبية، لأمكن وضع “آلية استقرار عربية” لليمن.
كلفة القرار المتسرع: الإنسان يدفع الثمن
لا يمكن النظر إلى المشهد اليمني دون وضع البعد الإنساني في الصدارة، فكل قرار متسرع أو متضارب يترجم فورا إلى مأساة يومية يعيشها اليمنيون، انهيار الخدمات، وتفشي الأمراض، وتدهور النظام التعليمي، وانهيار العملة الذي يضرب القدرة الشرائية بطريقة قاسية، وبالنتيجة، يخسر التحرك العربي جزءًا كبيرًا من مصداقيته.
الطريق إلى الأمام: وقف النار وخطة نهضوية عربية
إن استمرار الوضع على حاله سيؤدي إلى مزيد من التفكك، لذلك يصبح من الضروري أن يتحرك العقلاء داخل المنظومة العربية لفرض وقف شامل لإطلاق النار، لكن وقف النار ليس نهاية الطريق، بل بدايته، فاليمن يحتاج إلى مشروع عربي نهضوي يشبه “خطة مارشال”، ليس على مستوى الحجم المالي فقط، بل على مستوى الفلسفة والرؤية.
دروس اليمن: من الفردية إلى المأسسة
تكشف التجربتان الغربية في اليونان وأوكرانيا درسًا مهمًا، النجاح السياسي والأمني والاقتصادي يحتاج إلى مؤسسات، لا إلى مبادرات فردية، بينما يظهر اليمن بوضوح أن الارتجال والتسرع في اتخاذ القرار يفتحان الباب أمام مسارات مكلفة يصعب الخروج منها، إن الانتقال من “العشوائية” إلى “المأسسة” لم يعد رفاهية بل ضرورة.

