لم تكن صورة الفنان رضا البحراوي وهو يفترش سجادة الصلاة بعد الفجر مجرد بوست عابر على جدار فيسبوك، بل كانت بمثابة موال صامت، وبيان هادئ يعلنه فنان اعتاد الجمهور أن يراه تحت أضواء المسارح، ليجده فجأة في محراب الصلاة وحضرة السكون، بعيدًا عن صخب الميكروفونات وقريبًا من نفسه.
تأتي هذه اللقطة وقلب رضا لا يزال مثقلاً بوداع والدته، ووجع الفقد الذي غير ملامحه، وأثقل كلماته، وجعل فكرة الاعتزال تراوده ليل نهار تنفيذا لوصية غالية من والدته قبل رحيلها.
في تلك اللحظة، تحولت صفحة البحراوي من منصة أخبار فنية إلى حلقة ذكر ودعاء، لم يفكر أحد من المتابعين في السؤال عن موعد الحفل القادم، ولم يطلب أحد كوبليه من أغنية مشهورة، بل انصهر الجميع في دعوات صادقة: اللهم صبره، اجعلها صلاة فتح وخير، وهنا كانت تكمن قوة الفنان الحقيقي، حين يرى فيه الناس ابنهم الذي يتألم، لا مجرد نجم يؤدي أغنية
رضا البحراوي، صاحب الصوت الذي يزلزل المسارح، يظهر اليوم بوجه جديد -فنان يختبر معنى الفقد-، ويعيد ترتيب أوراقه بعيدًا عن الأضواء، لكن المدهش أن الجمهور لم يمارس عليه ضغط العودة، بل احترموا صمته، وكأنهم يدركون أن الموهبة لا تموت بالسكوت، بل قد تولد من جديد أكثر نضجًا وعمقًا.
في الصورة، لم يخرج البحراوي ليعظ الناس، بل عاش مع جمهوره لحظة حقيقة ليعترف بضعفه الإنساني، وأثبت للجميع أن سر القبول الواسع لهذه الصورة هو الصدق، وأن لا تناقض بين فنان يطرب الناس، وإنسان يقف حافيًا أمام ربه يبحث عن السكينة.
السؤال عن الاعتزال لا يزال معلقًا، لكن الثابت هو أن رضا ما بعد رحيل الأم ليس هو رضا ما قبلها، والفن الشعبي في جوهره هو ابن التجربة، وما يمر به رضا الآن من حزن، وصلاة، وتأمل، هو المادة الخام لإبداع قادم، سواء كان هذا الإبداع أغنية تلمس الأرواح، أو صمتًا مهيبًا يفرضه الوقار، وفي الحالتين، يبقى الجمهور ينتظر بقلبه قبل أذنه، ليسمع ماذا سيقول البحراوي حين يقرر الكلام أو الغناء.
وكان المطرب الشعبي رضا البحراوي، قد شارك صورة لوالدته مع جمهوره معربًا عن فقده الشديد لها، وذلك عقب رحيلها منذ ما يقارب شهر بعد صراع مع المرض، مؤكدًا أن غيابها يمثل نقصًا كبيرًا في حياته مهما مر الزمن.

