حذر خبراء من أن الجدري القاتل الذي أودى بحياة حوالي 500 مليون إنسان في القرن العشرين قد يمثل تهديداً محتملاً لإشعال موجة وبائية في المستقبل، حيث أشاروا إلى أن العالم أصبح أكثر عرضة لخطر تفشي فيروسات من عائلة الأورثوبوكس التي ينتمي إليها الجدري بعد استئصاله، مما أدى إلى تراجع المناعة الجماعية ضد الفيروسات المشابهة له، حيث أن إيقاف التطعيم الجماعي ضد الجدري المعروف باسم variola والذي أعلنت منظمة الصحة العالمية عن استئصاله عام 1980 أدى إلى هذا التراجع في المناعة، وقد أوضح العلماء أن هذا الفراغ المناعي يسمح لفيروسات مثل جدري القردة وجدري الجمل باحتلال المساحة التي تركها الجدري، مما يزيد من احتمال تحولها إلى مصدر لجائحة عالمية جديدة، كما قالت الدكتورة رينا ماكنتاير، خبيرة الأمن البيولوجي العالمي في جامعة نيو ساوث ويلز في سيدني، لصحيفة التليغراف أن الناس كانوا يتعرضون بشكل متكرر للفيروس قبل استئصال الجدري، وكانت هناك حملات تطعيم جماعية أدت إلى وجود حماية أساسية ضد فيروسات الأورثوبوكس بشكل أوسع، ولكن الآن سكان العالم عرضة لأي ظهور لفيروس من عائلة الأورثوبوكس، لأننا لا نملك المناعة، ولفيروس جدري القردة إمكانية التسبب بجائحة، وقد رأينا فيروسات أخرى من عائلة الأورثوبوكس تظهر في السنوات العشر إلى الخمس عشرة الماضية مثل جدري الشمال.
يعد جدري القردة مصدر القلق الرئيسي، خاصة بعد تفشي سلالة جديدة أشد فتكا أطلق عليها اسم Clade 1b، والتي رصدت لأول مرة أواخر 2023 في جمهورية الكونغو الديمقراطية وعدد من الدول الإفريقية المجاورة مثل بوروندي ورواندا وأوغندا وكينيا، وسجلت حالات منها مرتبطة بالسفر في بريطانيا والولايات المتحدة والهند، وأسفرت هذه السلالة عن وفاة ما لا يقل عن ألف شخص، معظمهم من الأطفال دون سن 15 عاماً، وقد أعلنت منظمة الصحة العالمية حالة طوارئ صحية عامة أثارت قلقاً دولياً، حيث إن هذا هو التصنيف نفسه الذي منحته منظمة الصحة العالمية لكوفيد-19 في أواخر يناير 2020، قبل أسابيع قليلة فقط من انتشار الفيروس في جميع أنحاء العالم، وعلى الرغم من أن فيروس جدري القردة لا ينتقل عبر الهواء بسهولة مثل فيروس كورونا، مما قد يحد من سرعة انتشاره عالمياً، إلا أن فيروسات الأورثوبوكس تصنف ضمن أعلى التهديدات الصحية، ويرجح أن احتمال تسببها في الجائحة المقبلة بدرجة متوسطة، كما أن الإجراءات الوقائية الحالية، رغم وجودها، تواجه تحديات، حيث أن لقاحات الجدري المخزنة قد توفر حماية جزئية، لكنها لم تختبر بشكل واسع ضد السلالة الجديدة الأكثر شراسة، كما أن تعزيز إنتاجها بكميات هائلة يستغرق وقتاً.
قال البروفيسور مالوكر دي موتس، أستاذ علم الفيروسات في جامعة سري، لصحيفة التليغراف أن تفشي فيروس الأورثوبوكس ليس حالة طوارئ فورية مثل الإيبولا أو كوفيد-19، التي لم يكن لدينا أي شيء ضدهما عندما ظهرا لأول مرة، لكن التدابير المضادة التي لدينا بعيدة كل البعد عن كونها مضمونة، وهكذا يسلط هذا التحذير الضوء على مفارقة تاريخية، فالنصر الطبي العظيم المتمثل في استئصال الجدري قد عرض البشرية عن غير قصد إلى خطر متزايد من فيروسات أخرى من العائلة نفسها، في عالم فقد مناعته الجماعية ضدها، مما يستدعي يقظة عالمية وتجهيزاً طبياً استباقياً.

