ارتبط تطوّر الحواسيب بالسعي الدائم إلى زيادة السرعة والقوة عبر معالجات أكبر وتعقيد تقني أعلى غير أن دراسة علمية حديثة قلبت هذه المعادلة مقترحةً مسارًا مختلفًا كليًا يقوم على استخدام الضوء نفسه كأداة للحوسبة بعيدًا عن الإلكترونيات التقليدية أو حتى مبادئ الحوسبة الكمية كيف تحل العمليات الحسابية المعقدة بحسب دراسة نُشرت في مجلة Nature نجح باحثون من جامعة كوينز الكندية في تطوير ما يُعرف بـ«آلة إيزينغ الضوئية» وهو جهاز حاسوبي مبتكر قادر على معالجة مسائل حسابية شديدة التعقيد تعجز الحواسيب التقليدية والكمية عن حلّها بكفاءة بسبب التضخم الهائل في عدد الاحتمالات الممكنة المشكلة تكمن في هذا النوع من التحديات الحسابية في أنها لا تفتقر إلى الحل بل إن عدد الحلول المحتملة يتضاعف بوتيرة تجعل فحصها جميعًا شبه مستحيل ففي مجالات مثل اكتشاف الأدوية وفك الشيفرات وتخطيط شبكات النقل والطاقة قد يستغرق اختبار كل احتمال زمنًا أطول من عمر الكون نفسه كما يشير الباحث بافين شاستري أحد المشاركين في الدراسة اعتمد الفريق لمواجهة هذا التحدي على نموذج فيزيائي كلاسيكي يُعرف باسم «نموذج إيزينغ» طُوّر في الأصل لوصف التفاعلات المغناطيسية ويقوم هذا النموذج على فكرة أن النظام يسعى طبيعيًا للوصول إلى أقل حالة طاقة وهي ما يعادل الحل الأمثل للمشكلة تمثل الابتكار الحقيقي في استبدال العناصر المغناطيسية بنبضات ضوئية ففي هذا الحاسوب تمثل كل «لفة» وجود نبضة ضوء أو غيابها بينما تدور هذه النبضات داخل حلقة تتكوّن من ليزرات وألياف ضوئية ومعدِّلات إشارات وهي تقنيات مستخدمة بالفعل في شبكات الاتصالات الحديثة.

يبدأ النظام مع تفاعل النبضات الضوئية المستمر في الاستقرار على نمط نهائي ثابت يعكس حلاً فعّالًا للمسألة المطروحة في عملية تشبه التوافق الجماعي السريع هذا النهج يمتاز بسرعته الفائقة إذ يتحرك الضوء بسرعة هائلة إلى جانب كفاءته الطاقية لعمله في درجة حرارة الغرفة دون الحاجة إلى تبريد معقّد أو مواد نادرة كما أثبت النظام قدرته على التعامل مع عشرات الآلاف من المتغيرات مع الحفاظ على استقرار تشغيلي لساعات متواصلة ويؤكد الباحثون أن هذا الابتكار قد يفتح آفاقًا واسعة في مجالات حيوية متعددة مؤكدين أنه لا يهدف إلى استبدال الحواسيب الحالية بل إلى تقديم أداة متخصصة تعيد تعريف كيفية حل مسائل التحسين المعقدة وربما ترسم ملامح مرحلة جديدة في عالم الحوسبة يقودها الضوء لا الإلكترون.