في ظل تسارع وتيرة الحياة اليومية وتعدد الضغوط الاجتماعية والاقتصادية أصبح الشعور بالتوتر والقلق من أكثر الحالات النفسية شيوعًا بين الأفراد حيث يوجد فارق جوهري بين التوتر الطبيعي الذي يمر به الإنسان في مواقف محددة وبين القلق المرضي الذي قد يتحول إلى اضطراب نفسي يؤثر سلبا على جودة الحياة ومع تزايد البحث عن الفرق بين الحالتين يبرز التساؤل الأهم كيف يمكن التمييز بين التوتر العادي والقلق المرضي.
التوتر العادي يعد حالة نفسية طبيعية تنتج عن التعرض لمواقف تتطلب مجهودا ذهنيا أو بدنيا مثل ضغوط العمل أو الامتحانات أو المشكلات الأسرية وغالبا ما يكون التوتر مؤقتا إذ يزول بزوال السبب أو بعد التكيف مع الظروف المحيطة كما يمكن أن يكون للتوتر جانب إيجابي حيث يدفع الإنسان إلى التركيز وتحسين الأداء وتحقيق الأهداف ومن أبرز أعراض التوتر العادي الشعور بالانزعاج وسرعة الانفعال والصداع الخفيف واضطرابات النوم المؤقتة وتسارع ضربات القلب في بعض الأحيان لكن هذه الأعراض لا تستمر لفترات طويلة ولا تمنع الشخص من ممارسة حياته اليومية بشكل طبيعي.
على الجانب الآخر يعد القلق المرضي حالة نفسية مزمنة تتجاوز حدود القلق الطبيعي إذ يستمر لفترات طويلة دون وجود سبب واضح أو مبرر منطقي ويتميز القلق المرضي بشعور دائم بالخوف والترقب والتفكير المفرط في المستقبل مع صعوبة السيطرة على هذه الأفكار السلبية وتظهر أعراض القلق المرضي بشكل أكثر حدة مثل التوتر المستمر والأرق المزمن وفقدان التركيز واضطرابات الجهاز الهضمي وآلام الصدر ونوبات الهلع والتعرق الزائد كما قد يؤدي القلق المرضي إلى تجنب بعض المواقف الاجتماعية أو المهنية خوفًا من الفشل أو الإحراج ما يؤثر بشكل مباشر على الحياة العملية والعلاقات الاجتماعية.
يمكن التمييز بين التوتر العادي والقلق المرضي من خلال عدة معايير رئيسية أبرزها مدة الأعراض وشدتها وتأثيرها على نمط الحياة فالتوتر العادي يكون مرتبطا بموقف محدد ومؤقت بينما القلق المرضي يستمر لفترات طويلة قد تمتد لأسابيع أو أشهر كما أن التوتر الطبيعي لا يمنع الشخص من أداء مهامه اليومية في حين أن القلق المرضي قد يعيق العمل والدراسة ويؤثر على الصحة الجسدية والنفسية إضافة إلى ذلك يتمكن الإنسان عادة من السيطرة على التوتر عبر الراحة أو ممارسة الرياضة أو التحدث مع الآخرين بينما يصعب التحكم في القلق المرضي دون تدخل متخصص.
وينصح الخبراء بضرورة استشارة مختص نفسي إذا استمرت مشاعر القلق لفترة طويلة دون تحسن أو إذا صاحبها أعراض جسدية حادة مثل ضيق التنفس أو تسارع ضربات القلب المستمر كما أن تكرار نوبات الهلع أو الشعور بالخوف غير المبرر يعد مؤشرًا قويًا على القلق المرضي وتؤكد الدراسات أن العلاج النفسي مثل العلاج السلوكي المعرفي إلى جانب بعض الأدوية في الحالات الشديدة يساعد بشكل فعال على السيطرة على القلق المرضي وتحسين جودة الحياة كما تلعب تقنيات الاسترخاء والتنفس العميق وتنظيم النوم وممارسة النشاط البدني دورا مهما في الوقاية من تطور التوتر إلى اضطراب نفسي مزمن.
يمكن القول إن التوتر العادي حالة طبيعية ومؤقتة بينما القلق المرضي اضطراب يحتاج إلى متابعة وعلاج والتعرف المبكر على الفروق بينهما يساعد الأفراد على التعامل الصحيح مع مشاعرهم النفسية وتجنب تفاقم الأعراض التي قد تؤثر على صحتهم ومستقبلهم.

