دخل ملف «على-الإيجار-ا/">الإيجار القديم» في مصر مرحلة جديدة من التعقيد مع حلول شهر فبراير/شباط 2026، حيث بدأت الحكومة بالفعل تطبيق أول زيادة رسمية في القيم الإيجارية، وتزايدت التحركات البرلمانية والقضائية لوقف تنفيذ القانون رقم 164 لسنة 2025.
يأتي ذلك وسط تضارب في الأنباء بشأن الموقف القانوني النهائي للتعديلات التي تمس ملايين الأسر المصرية، وترصد « الإخبارية» في هذا التقرير القصة الكاملة للمشهد الحالي، بدءًا من تحصيل الزيادات الجديدة، مرورًا بمقترحات التعديل التشريعي، وصولًا إلى حقيقة الموقف داخل المحكمة الدستورية العليا.
تجاوز القانون مرحلة الجدل النظري ليدخل حيز التنفيذ الفعلي، وبحسب رصد « الإخبارية»، بدأ ملاك وحدات الإيجار القديم السكني على مستوى الجمهورية تطبيق أول زيادة رسمية في القيمة الإيجارية اعتبارًا من الشهر الجاري، وذلك عقب انتهاء لجان الحصر والتصنيف من مهامها في 5 فبراير/شباط الجاري، ووفقًا للتصنيف الجديد الذي قسّم المناطق إلى (متميزة، ومتوسطة، واقتصادية)، أصبح المستأجر ملزمًا بسداد فروق القيمة الإيجارية بأثر رجعي، بعد أن كان يسدد مبلغًا مؤقتًا قدره 250 جنيهًا، وتأتي الزيادات على النحو التالي: في المناطق المتميزة 20 ضعف القيمة السارية بحد أدنى 1000 جنيه، وفي المناطق المتوسطة 10 أضعاف بحد أدنى 400 جنيه، وفي المناطق الاقتصادية 10 أضعاف بحد أدنى 250 جنيهًا
وبالتوازي مع بدء التحصيل، برز تحرك تشريعي جديد تحت قبة البرلمان المصري، حيث كشف عضو مجلس النواب المصري عاطف مغاوري، لـ« الإخبارية» عن إعداده مشروع قانون لتعديل التشريع الحالي، يستهدف بشكل أساسي إلغاء المادة الثانية الخاصة بإنهاء عقود الإيجار (الإخلاء) بعد 7 سنوات للسكني و5 سنوات للتجاري، وهي المادة التي أثارت جدلًا واسعًا منذ بدء مناقشة القانون داخل مجلس النواب، وفي تصريحات لـ« الإخبارية»، أكد مغاوري أن مقترحه يستند إلى حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر عام 2002، والذي أقر بحق امتداد العقد لجيل واحد، محذرًا من أن الدولة ورّطت نفسها في التزام قد لا تستطيع الوفاء به، وهو توفير وحدات بديلة للمطرودين، مستدلًا بضعف الإقبال على المنصة الرقمية المخصصة للمتضررين.
ولم يتوقف النقد البرلماني عند مدة الإخلاء، بل امتد إلى «تقسيم المناطق»، حيث وصف مغاوري التصنيف الحالي بأنه «غير عادل»، مشيرًا إلى مفارقة وصفها بالصارخة: «شقة في منطقة اقتصادية إيجارها القديم 200 جنيه ستدفع 2000 جنيه، بينما شقة في منطقة متميزة إيجارها 40 جنيهًا ستدفع 800 جنيه فقط»، ما يعني –بحسب قوله– أن الفئات الأقل دخلًا قد تتحمل عبئًا أكبر من سكان المناطق الراقية، مع تجاهل طبيعة تلك المناطق وقت التعاقد، والتي كانت تفتقر إلى الخدمات قبل عقود
وفي ساحة القضاء، التي تُعد «خط الدفاع الأخير» للمستأجرين، سادت حالة من اللغط خلال الساعات الماضية بشأن صدور قرار بـ«الوقف التعليقي» للقانون من هيئة المفوضين بالمحكمة الدستورية العليا، وكشفت مصادر قانونية رفيعة المستوى لـ« الإخبارية» حقيقة الموقف، نافية بشكل قاطع صدور أي قرارات بوقف تنفيذ القانون في الوقت الحالي، وأوضحت المصادر أن المحكمة الدستورية العليا وهيئة مفوضيها لا تملكان، وفقًا للقانون، إصدار قرارات بوقف تنفيذ تشريع سارٍ أثناء نظر الدعوى، مؤكدة أن ما يتردد في هذا الشأن مجرد شائعات لا أساس لها من الصحة.
وشرحت المصادر المسار الحالي للطعون، مشيرة إلى أن هيئة المفوضين نظرت، في جلسة 8 فبراير/شباط، عددًا من الدعاوى وقررت تأجيلها لتقديم المذكرات القانونية، ولم يتم حجز أي دعوى لكتابة التقرير النهائي حتى الآن، وأضافت أن التقرير الذي ستصدره الهيئة لاحقًا يُعد «رأيًا استشاريًا» غير ملزم للمحكمة، التي يبقى حكمها النهائي الفيصل الوحيد والملزم للكافة، في المقابل، يواصل فريق الدفاع عن المستأجرين معركته القانونية، حيث أقام المحامي بالنقض والمستشار القانوني لرابطة المستأجرين أيمن عصام، نحو 1700 طعن قضائي جديد أمام مجلس الدولة والمحكمة الدستورية، مطالبًا بإسقاط التعديلات.
ويرى عصام أن تقرير هيئة المفوضين بمجلس الدولة، الذي ألمح إلى وجود عوار دستوري، يمثل «بارقة أمل»، مفسرًا مفهوم «الوقف التعليقي» الذي يطالب به بأنه يعني تجميد الوضع القانوني وعدم جواز البت في الإخلاء إلى حين فصل المحكمة الدستورية في النزاع، حتى لو استمر ذلك لسنوات، مع الاكتفاء بسداد القيمة الإيجارية الجديدة دون تنفيذ الطرد، ومن النقاط الجوهرية التي تثير حفيظة القانونيين والمستأجرين ما وصفوه بـ«التمييز في التقاضي»، إذ يمنح القانون الحالي المالك حق اللجوء إلى «قاضي الأمور الوقتية» لاستصدار أمر طرد يُنفذ فورًا بقوة القانون، بينما يُجبر المستأجر المتضرر –بعد طرده– على اللجوء إلى القضاء الموضوعي العادي، وهي دورة تقاضٍ قد تستغرق سنوات طويلة يكون خلالها قد فقد مأواه بالفعل.
وتستمر لجان الحصر في المحافظات في عملها حتى الآن، فيما تنتظم عملية تحصيل القيم الإيجارية الجديدة، وتؤكد أستاذ القانون المدني الدكتورة نبيلة رسلان، لـ” الإخبارية” أن ملف الإيجار القديم يُعد من أعقد الملفات التشريعية في مصر، نظرًا لتشابكه بين «حق الملكية» و«البعد الاجتماعي»، وتشير رسلان إلى أن المحكمة الدستورية ستكون أمام اختبار صعب لتحقيق التوازن بين المبادئ الدستورية وحماية المراكز القانونية المستقرة، مؤكدة أن الكلمة الفصل ستكون لـ«قضاة الدستورية» في حكم ملزم لكل سلطات الدولة، سيحسم الجدل حول مواد «الطرد» و«الزيادة السنوية 15%»؛ فإما تثبيت القانون الحالي أو إسقاطه لتعود الكرة مجددًا إلى ملعب البرلمان.

