في ظل التوترات عبر الأطلسي تسعى أوروبا للاستقلال عن الولايات المتحدة في مجالات الأمن والدفاع لكن الأمر ليس هينا.
سخر الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته علنا من فكرة دفاع أوروبا عن نفسها دون الولايات المتحدة، حيث أكد أن القارة عاجزة بدون القدرات الأمريكية، وعلى الرغم من قدرة القاعدة الصناعية الأوروبية على تصنيع الأسلحة والطائرات والدبابات والصواريخ، إلا أنها لا تزال تعتمد اعتمادا كبيرا على الولايات المتحدة في مجالات الاستخبارات والإمداد والاتصالات، فضلا عن بنية القيادة والسيطرة التي تربط كل شيء ببعضه، وبدون هذه القدرات، لا تملك أوروبا أملًا يذكر في ردع روسيا وذلك وفقًا لما ذكره موقع صحيفة “بوليتيكو” الأمريكية.
قال المفوض الأوروبي للدفاع أندريوس كوبيليوس “علينا أن نكون مستعدين للاعتماد على قوى استراتيجية أوروبية خاصة بنا بدلاً من القوى الاستراتيجية الأمريكية” لكن عملية الانفصال عن الولايات المتحدة ستستغرق وقتًا طويلاً وتكلفة ضخمة، ووفق أوليفييه شميت، رئيس قسم الأبحاث في معهد العمليات العسكرية بالكلية الملكية الدنماركية للدفاع فإنه “لا يمكن لأي دولة أوروبية، بحكم تعريفها، أن تحل محل الولايات المتحدة”، ويدرك الاتحاد الأوروبي هذه الثغرات، وقد اعتمد بوصلة استراتيجية وخطة جاهزية 2030 بهدف التخفيف من مخاطر الانسحاب الأمريكي لكن هذه المشروعات لا تزال بعيدة المنال.
وفي تصريحات لـ”بوليتيكو”، أكد خمسة دبلوماسيين وتسعة محللين أن ما يقوض مساعي أوروبا لتقليل اعتمادها على الولايات المتحدة هو تعقيدات السياسة في القارة نفسها خاصة شرط الإجماع، الذي يمنح حق النقض للمجر الموالية لروسيا بما يعرقل جهود أوروبا الدفاعية، وقدر روته أن تكلفة الانفصال عن واشنطن ستصل إلى 10% من الناتج المحلي الإجمالي، أي ضعف ما التزمت دول الناتو بإنفاقه على الدفاع وقد تصل التكلفة إلى تريليون دولار، وفقاً للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية.
لن يقتصر الأمر على حاجة الحلفاء الأوروبيين إلى القوى البشرية والمنصات العسكرية البديلة للمنصات الأمريكية فقط بل سيشمل أيضًا معالجة النقص في قدرات الفضاء والاستخبارات والمراقبة والاستطلاع الشاملة، فضلا عن تعويض مساهمات الولايات المتحدة في ترتيبات القيادة والسيطرة لحلف الناتو، لكن أوروبا لا تبدأ من الصفر حيث تمتلك بالفعل بدائل جيدة في مجالات عديدة، وفقا لكاميل غراند، الأمين العام لرابطة الصناعات الفضائية والأمنية والدفاعية الأوروبية الذي قال “أعتقد أنه في 98% من الحالات، يوجد حل أوروبي”.
يبحث الناتو عن بديل لطائرة “بوينغ إيي-3 سينتري” المعروفة باسم “أواكس” والتي تعد ركيزة أساسية في مجال المراقبة والقيادة والسيطرة والاتصالات، وكشفت وثيقة سرية لوزارة الدفاع الألمانية رغبة برلين وعدد من الحلفاء في التراجع عن شراء طائرة الرادار “إيي-74 إيه ويدجتيل” من إنتاج شركة بوينغ والتحول إلى بديل أوروبي لأن التمسك بالطائرة الأمريكية سيخلق “مخاطر كبيرة” على السعر، ومواعيد التسليم، والصيانة، والشهادات.
تقدم طائرة “ساب غلوبال آي” السويدية بديلاً آخر وطلبت فرنسا في ديسمبر/كانون الأول الماضي طائرتين من هذا الطراز، وقال وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس إن الطائرة “في وضع ممتاز” لشرائها من قبل برلين، ويستخدم الجيش الأمريكي و19 دولة أوروبية، بما في ذلك أوكرانيا، نظام الدفاع الجوي المتنقل “باتريوت” من إنتاج شركة رايثيون وهو ما يجعلها تعتمد على الموردين الأمريكيين واشتكت كييف من نقص حاد في صواريخ باك-3 الاعتراضية، مما أدى إلى تعطيل صواريخ باتريوت في مواجهة الصواريخ الروسية.
لكن أوروبا لديها بدائل حيث يتمتع نظام “سامب-تي” الفرنسي الإيطالي بقدرات مماثلة، على الرغم من أن سجله القتالي أقل بكثير وتشغل أوكرانيا بالفعل ثمانية صواريخ منه وتنتظر ثمانية أخرى وأواخر العام الماضي اختارت الدنمارك هذا النظام، وتستخدم دول أوروبا والناتو طائرات النقل الجوي الأمريكية “سي-130 هيركوليز” كما تمتلك أوروبا طائرات إيرباص “إيه 400 إم” الأحدث، حيث تستخدم ألمانيا حوالي 50 طائرة، والمملكة المتحدة وفرنسا حوالي 20 طائرة لكل منهما، مع طلبات شراء إضافية.
مع ذلك، قد تقل الحاجة إلى قدرة النقل الجوي في حرب دفاعية ضد روسيا، حيث ستكون الطرق البرية والسكك الحديدية حاسمة لنقل القوات والمعدات، ويعمل الاتحاد الأوروبي أيضًا على تبسيط الإجراءات لتسهيل نقل القوات عبر القارة واقترحت المفوضية زيادة ميزانية التنقل العسكري عشرة أضعاف لتصل إلى 17.7 مليار يورو في الميزانية القادمة، وتتفوق الولايات المتحدة في التزود بالوقود في الجو حيث تشغل أسطولاً يضم حوالي 450 طائرة تزويد بالوقود، بينما تمتلك أوروبا 156 طائرة.
تعد القدرات العسكرية الفضائية الأوروبية محدودة، حيث تعتمد العديد من الدول على الولايات المتحدة في توفير المعلومات الاستخباراتية والملاحية وأعلنت الدول الأوروبية عن خطط لزيادة الإنفاق على الفضاء، لكن ذلك سيستغرق سنوات، وتمتلك أوروبا صاروخ “أريان “6 الجديد، لكنه لم يُستخدم سوى ست مرات، مما يجعله متأخراً كثيراً عن قدرات الإطلاق الأمريكية، ويموّل الاتحاد الأوروبي نظام الاتصالات المدارية “آيريس 2” الذي من المتوقع أن يدخل الخدمة في 2030 ويفترض أن ينافس نظام “ستارلينك” التابع للملياردير الأمريكي إيلون ماسك.
قال ماكس بيرغمان، مدير برنامج أوروبا وروسيا وأوراسيا في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية “إن أصعب عامل يمكن تغييره هو قدرات الاستخبارات والاستهداف التي توفرها الولايات المتحدة”، ولا يقتصر الأمر على الأصول المادية مثل الأقمار الصناعية والمسيرات المتطورة فقط بل يشمل أيضاً دمج المعلومات الاستخباراتية لتحديد أهداف واضحة المعالم، ورغم تضاؤل المساعدات العسكرية الأمريكية الجديدة لأوكرانيا إلا أن كييف لا تزال تعتمد على الاستخبارات الأمريكية.
بعدما أوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لفترة وجيزة تبادل المعلومات الاستخباراتية العام الماضي، تسعى كييف وحلفاؤها الأوروبيون لإيجاد بدائل مثل أقمار شركة الفضاء الفنلندية وفرنسا التي باتت تقدم ثلث الدعم الاستخباراتية لأوكرانيا، ولم يكن ضعف القدرات الأوروبية مشكلة كبيرة عندما كانت الولايات المتحدة تعد حليفًا قويًا في الناتو لكن اليوم تتزايد الشكوك حيث أظهرت نتائج جديدة لاستطلاع رأي أجرته “بوليتيكو” أن غالبية سكان فرنسا وألمانيا والمملكة المتحدة لا يرون واشنطن كشريك أمني موثوق.
لكي تعزز الدول الأوروبية دورها، عليها توحيد أسواقها الدفاعية، والقضاء على ازدواجية أنظمة الأسلحة، وشراء الأسلحة بشكل مشترك، وزيادة استثماراتها في الدفاع بشكل كبير حيث يرى وزير الأمن البريطاني السابق توم توغنهادت أن “مشكلة أوروبا ليست نقص المال، بل نقص التنسيق”.

