أدركوا أن الخروج من جحورهم سيحشرهم في الزاوية بشكل أكبر، ولذلك لجأوا إلى تكتيك اختبروه مرارًا، وهو المناورة بالوكالة.

كان من المتوقع أن يرد إخوان فرنسا الفعل على الرقابة والإجراءات التي أقرتها حكومة البلد الأوروبي بتطويقهم وتجفيف منابع تمويلهم المشبوهة، وقد تحركت الجماعة أخيرًا، لكن تحت يافطة حاولت جاهدة أن ترتدي عبرها قناع اعتدال مزيف.

لم يطل انتظار مراقبين في فرنسا، حيث أصدر المسجد الكبير بالعاصمة باريس دليلًا رقميًا مؤلفًا من 900 صفحة، وبحسب ما جاء في مقدمته، يهدف الدليل إلى تأكيد حضور المسلم كمواطن، ومحاولة مواجهة الخطابات التحريضية والكليشيهات التي تغذي في الغرب فكرة عدم توافق الإسلام مع قيم المجتمعات الغربية.

عند التدقيق في محتوى الدليل ومن شاركوا في إعداده، يكتشف الخبراء بعض الثغرات والغيابات الملفتة، ويتضمن الدليل معجمًا أبجديًا يشرح معظم المواضيع المتعلقة بالإسلام، مثل العلمانية التي عرضت على أنها فرصة، والزواج المدني الذي يجب أن يسبق الزواج الديني، وضرورة احترام حرية عدم ارتداء الحجاب.

إلا أن بعض النقاط الأساسية غير مذكورة، حسبما رصدت فلورنس بيرغو-بلاكلير، عالمة الأنثروبولوجيا، التي انتقدت محاولة فرض قواعد عامة على المسلمين في الغرب، واعتبرت أن الحياة الدينية يجب أن تمارس ضمن المجال الخاص وفق معتقد الفرد.

وفقًا للصحيفة الفرنسية، فإن الأكثر إثارة للانتباه هو عدم ذكر الإخوان التي تعتبر التيار الرئيسي للإسلام السياسي، رغم أن تقريرًا حكوميًا صدر في 2025 كشف عن نشاط الجماعة في فرنسا ووجود شبكة تضم 173 مكان عبادة، مع أهداف لتوسيع نفوذ الشريعة ونشاط الدعوة.

وصفت بيرغو-بلاكلير الكتاب بأنه توجيهي أكثر منه موضوعيًا، مشيرة إلى أن الإخوان يهدفون لنشر أفكارهم من دون إبراز الذات، وأن أهدافهم تشمل التسلل إلى المؤسسات بما فيها الدينية والديمقراطيات العلمانية.

رحبت جمعية مسلمو فرنسا والتي ذكرها التقرير الحكومي الصادر في مايو/أيار 2025 كأبرز امتدادات الإخوان في البلاد، بالدليل واعتبرته خطوة لتنظيم السرد التاريخي للوجود المسلم في فرنسا وتوضيح ديناميكياته وتحدياته.

من جهته، يعتبر الكاتب محمد لويزي، الذي كان من الإخوان سابقًا، في حديثه للصحيفة، أن المسجد الكبير في باريس يقدم غسيلًا أيديولوجيًا لإضفاء الشرعية على أفكار متطرفة ضمن السياق الجمهوري.

يتناول الدليل موضوعات شائكة مثل الحجاب، مؤكدًا أن لكل مسلمة حرية اتخاذ قرارها وفق إيمانها وظروف حياتها، ويعرض أن البوراك أو النقاب ليس فرضًا دينيًا إلزاميًا، وأن ارتداء النقاب محصور ضمن التقاليد الأخرى دون إدانات صريحة.

كما يناقش الدليل مفهوم التقية باعتباره حماية للمؤمن في ظروف استثنائية وليس قاعدة عامة للتخفي، لكنه لم يتطرق إلى حالات تطبيقها من قبل الإرهابيين، على عكس الدراسات الحديثة التي تناولت هذا الجانب.

صدر الكتاب عن مؤسسة نشرت مؤلفات لشخصيات إخوانية بارزة مثل مؤسس الجماعة حسن البنا، ويوسف القرضاوي، وهو ما أثار تساؤلات حول اختيار دار النشر وعلاقته بمضامين الكتاب.

نشر الدليل رقميًا الثلاثاء الماضي، وهو توقيت يعكس رغبة المسجد الكبير في باريس في تقديم مشروع طويل الأمد لتعزيز حضور المسلمين في فرنسا، وسط ضغوط سياسية واجتماعية متزايدة، وفقًا للصحيفة الفرنسية.

يحتوي الكتاب على مداخلات لعدد من الشخصيات العامة، مثل جاك أتالي، وهيلين كارير دانكوس، ورامون دومينيك، وبعض السياسيين الفرنسيين، لكن بعض المشاركين، مثل الفيلسوف ريمي براج وأستاذ الجامعات جيل كبل، أكدوا أنهم لم يكونوا على علم بمضمون الكتاب، وأن تفاعلهم السابق كان محدودًا ولم يشمل إعداد هذا الدليل.

يطرح ذلك تساؤلات حول شفافية عملية التأليف ومصداقية التمثيل داخل الدليل.