عاد شبح الفوضى الأمنية ليخيّم على مدن غرب ليبيا مع تجدّد الاشتباكات المسلحة وقطع الطرق وسقوط ضحايا من المدنيين.
ووفق مراقبين فإن المشهد في غرب ليبيا يعكس استمرار أزمة انفلات السلاح وتنامي ظاهرة الإفلات من العقاب وسط عجز واضح عن فرض سلطة القانون وبسط هيبة الدولة، وخلال الساعات الأربع والعشرين الماضية شهدت مدن الزاوية وجنزور وصرمان توترات متزامنة تراوحت بين احتجاجات مسلحة واشتباكات بين تشكيلات عسكرية وصولا إلى مقتل طفلة وإصابة ضابط في حوادث أثارت موجة غضب واستياء واسعين.
وفي مدينة الزاوية أقدم محتجون على إغلاق الطريق الساحلي عند منطقة المطرد باستخدام سواتر ترابية احتجاجًا على ما وصفوه بتقاعس السلطات في طرابلس عن تسلّم أربعة موقوفين ليبيين من الدولة التونسية رغم مخاطبات رسمية متكررة، وأعاد هذا التحرك إلى الواجهة استخدام الطرق الحيوية كورقة ضغط سياسية وأمنية ما فاقم معاناة المواطنين وعطّل حركة التنقل والتجارة في منطقة تعاني أصلًا هشاشة أمنية مزمنة.
وفجر الجمعة اندلعت اشتباكات مسلحة في جنزور تحديدًا بمحيط سوق الخضروات على الطريق الساحلي بين مجموعتين مسلحتين استخدمتا أسلحة خفيفة ومتوسطة بحسب إفادات شهود عيان، وسادت حالة من الذعر بين الأهالي قبل أن تتوقف الاشتباكات عقب تدخل قوة تابعة لجهاز مكافحة التهديدات الأمنية.
ووفق مصادر محلية اندلع قتال بين عناصر من مليشيا “الكتيبة السادسة إسناد” وأفراد تابعين لمليشيا “القوة 137 الساحل الغربي” المرتبطة برئاسة أركان الجيش الليبي على خلفية توقيف أحد عناصر الكتيبة السادسة قبل أن تتدخل “الكتيبة 52” لفض النزاع دون صدور بيانات رسمية حول حصيلة الإصابات بين المدنيين.
وفي تطور مأساوي أعلنت عائلة السعداوي في صرمان مقتل الطفلة أرين شوقي الدبار السعداوي (9 سنوات) إثر إطلاق نار نفذه مسلحون استهدفوا الضابط جهاد عزالدين المشري السعداوي، وأوضحت العائلة أن الضابط أُصيب بخمسة أعيرة نارية ويخضع للعلاج في العناية المركزة فيما تصادف وجود الطفلة في موقع الحادث لتسقط ضحية مباشرة للاشتباك المسلح.
وحملت الأسرة الجهات المختصة مسؤولية ملاحقة الجناة وضبطهم مطالبة بإحالة القضية فورًا إلى النيابة العامة وسط إدانات واسعة من فعاليات محلية ومجتمعية، من جهتها أدانت مؤسسة حقوق الإنسان الليبية الاشتباكات المسلحة في جنزور مؤكدة رصد إصابات وأضرار واسعة لحقت بمنازل المواطنين وممتلكاتهم إضافة إلى تضرر مرافق صحية في ظل غياب الحماية للمدنيين.
وأشارت المؤسسة إلى أن المواجهات وقعت داخل أحياء سكنية مكتظة ما حوّل الشوارع إلى ساحات قتال وعرّض حياة السكان لخطر مباشر معتبرة أن تجدد العنف بين تشكيلات تحظى بغطاء رسمي يعكس فشلًا في حماية المواطنين، كما حمّلت رئيس الأركان العامة المكلف بصفته آمر المنطقة العسكرية للساحل الغربي المسؤولية القانونية عن الاشتباكات وتداعياتها داعية إلى فتح تحقيق شامل وإنهاء حالة الإفلات من العقاب.
وتعاني ليبيا من انتشار واسع للسلاح منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011 حيث تشير تقديرات إلى وجود أكثر من 29 مليون قطعة سلاح خارج سيطرة الدولة ما أسهم في تفشي الفوضى الأمنية وتصاعد الاعتداءات المسلحة لا سيما في غرب البلاد الخاضع لنفوذ مليشيات متنافسة، وفي ظل هذا التصعيد تتزايد الدعوات المحلية والدولية لحصر السلاح بيد الدولة وتفعيل برامج دمج المسلحين أو تسريحهم كمدخل أساسي لوقف نزيف الأرواح واستعادة الاستقرار المفقود.

