النجم مصطفى شعبان يخوض تجربة درامية جديدة من خلال مسلسله “درش” الذي يبتعد عن الأطر التقليدية للدراما الشعبية ويطرح سؤالًا وجوديًا مثيرًا: ماذا لو استيقظ الإنسان ليجد نفسه بلا ذاكرة، المسلسل يعتمد على فكرة فقدان الذاكرة كمدخل تراجيدي للأحداث لكنه لا يتعامل معها كحبكة تشويقية عابرة بل يجعلها جوهر الصراع ومحركه الأساسي، فالبطل يجد نفسه فجأة في عالم لا يتذكر تفاصيله بين وجوه مألوفة وذكريات مبتورة وماضٍ يطارده دون أن يستطيع الإمساك به
تتصاعد الدراما من داخل الشخصية قبل أن تنفجر في محيطها، حيث إن فقدان الذاكرة هنا ليس مجرد فقدان معلومات بل انهيار للهوية ذاتها، من يكون، ماذا فعل في الماضي، من يحب ومن يعادي، وهل كان ضحية أم جانيًا، هذه الأسئلة تشكل معاناة داخلية وتخلق شبكة من العلاقات المرتبكة حيث تتداخل الحقائق بالادعاءات، ويصبح كل من حوله شاهدًا محتملًا على ماضٍ لا يتذكره، هذا الارتباك يمنح العمل بعدًا نفسيًا عميقًا إذ يتحول البطل إلى إنسان يعيش حاضرًا هشًا يخشى اكتشاف ما لا يحتمله في ماضيه.
رغم انتماء العمل إلى الإطار الشعبي، فإن “درش” يسعى لتجاوز القوالب المعتادة التي تعتمد على الصراع الخارجي فقط، فالمعركة الحقيقية تدور داخل عقل الشخصية الرئيسية، الشارع والحارة والعائلة والأصدقاء جميعهم يتحولون إلى عناصر ضغط تدفعه للبحث عن ذاته المفقودة في رحلة قد تكشف له حقائق تقلب حياته رأسًا على عقب، المسلسل يقدم صورة قاتمة عن هشاشة الإنسان أمام ضياع ذاكرته ويظهر كيف يمكن لحادث واحد أن يغيّر مسار حياة كاملة ويحوّل الاستقرار إلى فوضى والثقة إلى شك دائم.
اللافت في التجربة هو اختيار مصطفى شعبان لمنطقة درامية تعتمد على الأداء النفسي المركّب بعيدًا عن الحضور القائم على القوة أو السيطرة، الشخصية هذه المرة ضعيفة ومرتبكة تبحث عن يقين مفقود، ما يفرض على البطل إيقاعًا مختلفًا في الأداء قائمًا على التعبير الداخلي والانكسار الصامت، يبدو أن العمل يراهن على هذا التحول ليقدم للجمهور وجهًا آخر للنجم وجهًا أكثر هشاشة وإنسانية يعكس مأساة رجل فقد ذاكرته وفقد معها تاريخه وعلاقاته وربما نفسه، “درش” لا يكتفي بطرح لغز طبي أو حالة إنسانية بل ينسج حولها عالمًا من الغموض والتشابك الدرامي حيث تتكشف الأسرار تدريجيًا وتتصاعد المواجهات كلما اقترب البطل من حقيقة ماضيه.
وفي كل خطوة يخطوها نحو استعادة ذاكرته يواجه احتمالًا جديدًا: هل يريد حقًا أن يتذكر، في النهاية يضع المسلسل المشاهد أمام فكرة مؤلمة مفادها أن الذاكرة ليست مجرد أرشيف للذكريات بل هي ما يصنع الإنسان ذاته، وحين تضيع لا يضيع الماضي فقط بل يتصدع الحاضر ويصبح المستقبل معلقًا على خيط رفيع من الحقيقة، بهذا الطرح يبدو أن “درش” يسعى لتقديم دراما رمضانية تحمل طابعًا تراجيديًا عميقًا تستند إلى سؤال إنساني ثقيل وتراهن على إثارة فكر المشاهد بقدر ما تثير مشاعره

