لسنوات طويلة، كان اسمه يتردد في الأروقة كـ “شبح” لا يراه أحد، ولكنه كان يمتلك مفاتيح كل شيء، هو “الصندوق الأسود” لجماعة الإخوان الإرهابية، ومهندس تنظيمها الحديدي، والرجل الذي أدار أخطر مراحل الجماعة من مخبأ سري في قلب القاهرة بينما كانت العيون تبحث عنه في عواصم العالم.

مع وصول محمود عزت إلى قفص الاتهام، لم يسقط مجرد قيادي إخواني، بل سقطت حقبة كاملة من “التنظيم السري” الذي أسسه النظام الخاص، حيث يمثل عزت آخر حراس “الحرس القديم” الأكثر تشدداً، وبسجنه، انفرط عقد القيادة المركزية للجماعة، لتدخل في نفق مظلم من الانقسامات التي لم تعد تجد من يلملم شتاتها.

هذا التقرير يتتبع رحلة محمود عزت، القائم بأعمال المرشد العام للإخوان، من بدايات التكوين، مروراً بسنوات “الهروب الكبير”، وحتى لحظة السقوط والوقوف في قفص الاتهام.

التكوين: في مدرسة “سيد قطب”

لم يكن محمود عزت (مواليد 1944) مجرد عضو عابر في الجماعة، بل كان ابناً شرعياً لأفكار الحقبة القطبية، حيث انضم للجماعة شاباً في عام 1962، وسرعان ما وجد نفسه في قلب المحنة الكبرى عام 1965.

حُكم عليه بالسجن عشر سنوات، وهي الفترة التي شكلت وعيه الحركي، حيث تتلمذ في الزنازين على يد رفقاء سيد قطب، ليخرج بعدها حاملاً عقيدة تنظيمية صلبة، أهلته ليصبح فيما بعد “حارس المبدأ” داخل الجماعة، والمدافع الشرس عن الخط المتشدد الذي يرفض الانفتاح أو المراجعات الفكرية الجذرية.

“الرجل الحديدي”.. مهندس التنظيم

داخل الجماعة، عُرف عزت بلقب “الرجل الحديدي” أو “ثعلب التنظيم”، ولم يكن يحب الأضواء، بل كان يفضل العمل في “المنطقة الرمادية” التي تتيح له الإمساك بخيوط اللعبة دون الظهور على الشاشات.

سيطرة مطلقة: تولى منصب الأمين العام للجماعة، مما مكنه من السيطرة على مفاصل التنظيم الإداري والمالي

حارس المعبد: كان يُنظر إليه باعتباره العقبة الكؤود أمام أي تيار إصلاحي داخل الجماعة، حيث قاد عملية إقصاء ممنهجة لجيل الشباب والرموز المنفتحة قبل ثورة 25 يناير

2013.. الصعود إلى قمة “الفراغ”

بعد أحداث 2013، والقبض على المرشد العام محمد بديع ونائبه خيرت الشاطر، وجد محمود عزت نفسه الرجل الأول فعلياً، فأصبح “القائم بأعمال المرشد”، وحمل على عاتقه مهمة إدارة تنظيم يترنح تحت وطأة الملاحقات الأمنية والانشقاقات الداخلية.

منذ أغسطس 2013، اختفى عزت تماماً، نسجت حوله الأساطير؛ قيل إنه يدير الجماعة من غزة، وقيل إنه يتنقل بين تركيا ولندن، وروج البعض أنه غادر المنطقة بالكامل، لكن الحقيقة كانت أكثر غرابة.

7 سنوات في “الظل”.. اللغز المحير

بينما كانت أجهزة الاستخبارات تتعقب أثره خارج الحدود، كان عزت يمارس حياته في شقة سكنية بمنطقة “التجمع الخامس” شرقي القاهرة.

إدارة الأزمة: من مخبئه، أصدر البيانات، وعين قيادات جديدة، وأدار الصراع العنيف بين جبهات الإخوان المتناحرة (جبهة الحرس القديم وجبهة الشباب)

التكتيك الأمني: اعتمد على دائرة مغلقة للغاية من الاتصالات، متجنباً التكنولوجيا التقليدية التي قد تكشف موقعه، مما جعله هدفاً صعب المنال لمدة 7 سنوات كاملة

السقوط المدوي.. نهاية الأسطورة

في فجر يوم 28 أغسطس 2020، طويت صفحة “الرجل الشبح”، أعلنت وزارة الداخلية القبض عليه في مخبأه بالتجمع الخامس.

المشهد داخل الشقة كان كاشفاً:

أجهزة حاسوب وهواتف محمولة مشفرة تحتوي على وثائق تنظيمية بالغة السرية.

مبالغ مالية وأوراق تنظيمية تكشف خطط إدارة الجماعة في الداخل والخارج.

كان القبض عليه بمثابة “زلزال” ضرب ما تبقى من هيكل الجماعة، حيث فقدت “العقل المدبر” الذي كان يحاول الحفاظ على تماسك التنظيم المترهل.

في قفص الاتهام.. فاتورة الحساب

انتقل عزت من قيادة التنظيم السري إلى مواجهة القضاء العلني، السجل الجنائي لمحمود عزت كان مثقلاً بقضايا تمس الأمن القومي المصري، وتورطاً في أعمال عنف كبرى.

أبرز القضايا والأحكام التي واجهها:

قضية التخابر مع حماس: صدر ضده حكم نهائي بالسجن المؤبد

قضية اقتحام الحدود الشرقية: حكم نهائي بالسجن المؤبد

قضية “كتائب حلوان”: اتهامات بتمويل وإدارة مجموعات مسلحة

في المحكمة، ظهر عزت بلحية بيضاء ووجه شاحب، صامتاً في أغلب الجلسات، يراقب انهيار الهيكل الذي أفنى عمره في بنائه.