في الوقت الذي تبدو فيه منصات الألعاب الإلكترونية مساحة للترفيه والتواصل بين الأطفال، كشفت تقارير أمنية واستخباراتية عن وجهٍ آخر أكثر خطورة.
إذ تحوّلت منصات الألعاب الإلكترونية الشهيرة، ولا سيما «روبلوكس» و«ديسكورد»، إلى ساحات خلفية لتجنيد الأطفال واستقطابهم إلى صفوف التنظيمات المتطرفة، بينما يعتقد الآباء أن أبناءهم يقضون أوقات فراغهم في اللعب مع أقرانهم، يكشف خبراء مكافحة الإرهاب عن واقع مرعب يختبئ خلف الشخصيات الكرتونية الجذابة، حيث بات أطفال في الحادية عشرة من العمر أهدافًا رئيسية لحملات دعائية منظمة تهدف إلى غسل أدمغتهم وتحويلهم إلى ما يسمى «أشبال الخلافة» و«عرائس داعش».
وبحسب تقرير لصحيفة «صن» البريطانية، وثّقت تقارير دولية، قبل نحو عقد من الزمن، مشاهد صادمة لأطفال جُنّدوا قسرًا في معسكرات بسوريا والعراق، حيث خضعوا لبرامج تلقين أيديولوجي وتدريب عسكري، بعضهم اختُطف مباشرة من مدارسهم، وآخرون استُقطبوا عبر وسائل التواصل الاجتماعي، آنذاك، كانت الصور تهدف إلى إحداث صدمة: أطفال يحملون بنادق كلاشينكوف ويرفعون الراية السوداء، في إشارة واضحة إلى أن جيلاً جديدًا من المتطرفين قيد الإعداد، ومع سقوط آخر معاقل ما سُمّي بـ«الخلافة» عام 2019 خلال معركة باغوز فوقاني على يد قوات سوريا الديمقراطية، اعتقد كثيرون أن الخطر قد تلاشى، لكن الهجمات الدامية التي شهدها العالم مؤخرًا تؤكد أن التنظيم لم ينتهِ، بل أعاد تشكيل نفسه في الفضاء الرقمي
ووفقًا للتقرير، تطورت آلة دعاية تنظيم داعش الإرهابي اليوم واشتدت، مدعومة بخوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي ومنصات الألعاب التفاعلية، ويؤكد البروفيسور ألكسندر إيفانز، من كلية لندن للاقتصاد، أن «داعش أحدث تحولًا جذريًا في الدعاية الإعلامية للجماعات الإرهابية، مستفيدًا من انتشار ثقافة الألعاب الإلكترونية»، ويضيف: «أصبحت ألعاب الفيديو وسيلة رئيسية لبناء الصداقات والشبكات، وفي بعض الأحيان تُستخدم منصةً لتجنيد الأفراد، ما نشهده اليوم هو ذلك، ولكن بشكل مضاعف»
ويستخدم الإرهابيون مختلف الوسائل المتاحة، من الرسوم المتحركة إلى ألعاب الفيديو، لاستدراج ضحاياهم عبر تقنيات نفسية معقدة، تبدأ العملية ببناء علاقات صداقة وهمية عبر شخصيات افتراضية، ثم تنتقل تدريجيًا إلى غرس أفكار متطرفة تمجد العمليات الانتحارية، وتصور الانضمام إلى التنظيم فرصةً للحصول على مكانة اجتماعية وهوية جديدة، ويؤكد خبراء أن هذه الأساليب تستند إلى معرفة دقيقة باهتمامات الطفل، من أجل تكييف أسلوب الاستقطاب وبناء علاقة ثقة معه، في ما يشبه «الإعلان الموجّه» الذي يستفيد من تتبع سلوك المستخدمين عبر الإنترنت.
تكشف إحصاءات مقلقة عن حجم الظاهرة، إذ أبلغت إندونيسيا عن تجنيد 110 قاصرين، تتراوح أعمارهم بين 10 و18 عامًا، خلال عام 2025 وحده، وفي العام الماضي، اعتُقل مراهقون تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عامًا لتخطيطهم لعدة هجمات إرهابية في إندونيسيا وماليزيا وسنغافورة، بعد استقطابهم عبر منصات الألعاب الإلكترونية، وأوروبا بدورها لم تكن بمنأى عن هذه الظاهرة، ففي فرنسا، أُلقي القبض على قاصرين، يبلغان 15 و17 عامًا، في يوليو/تموز الماضي، بتهمة التخطيط لهجمات على معابد يهودية وبرج إيفل، بعد تواصلهما عبر مجموعة على تطبيق مراسلة مشفّر، وكان كلاهما مفتونًا بتنظيم داعش الإرهابي وراغبًا في السفر إلى الخارج «لشن عمليات انتحارية».
وفي النمسا، أُلقي القبض على شاب يبلغ 18 عامًا بعد بحثه عن كيفية صنع قنبلة والتخطيط لهجوم، مستلهمًا أفكاره من تنظيم القاعدة، وكشفت تقارير هذا الأسبوع عن «محاكاة إطلاق نار في مركز تجاري» صمّمها جيسي فان روتسيلار، منفذ هجوم مدرسة في كندا، فقد أنشأ الشاب، البالغ 18 عامًا، لعبة على منصة «روبلوكس» تُمكّن اللاعبين من محاكاة إطلاق نار جماعي في بيئة تشبه مركزًا تجاريًا.
لم يعد الاستهداف مقتصرًا على الذكور، إذ يحذر الدكتور بيتر نيومان، أستاذ الدراسات الأمنية في كلية كينجز كوليدج لندن، من تزايد ظاهرة تجنيد الفتيات تحت مسمى «عرائس داعش»، ويوضح نيومان أن «الفتيات قد يُستدرجن للوقوع في حب أعضاء الجماعة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، أو يسعين للهروب من العنف الأسري أو الضغط العائلي عبر الزواج من إرهابي»، وقد طورت التنظيمات الإرهابية أساليب دعائية متقنة تستهدف الفتيات على وجه الخصوص، مستخدمة محتوى بصريًا جذابًا يمتزج فيه الترفيه بالرسائل الأيديولوجية المتطرفة.
ويكشف تقرير لمجلس الأمن التابع للأمم المتحدة عن طموحات متزايدة لتنظيمي داعش والقاعدة لتنفيذ هجمات «ضخمة» بهدف اكتساب الشهرة، ويشير كولين سميث، منسق فريق الرصد الذي أعد التقرير، إلى تزايد ملحوظ في تجنيد القاصرين، قائلاً: «رصدنا حالات استُقطب فيها أطفال لا تتجاوز أعمارهم 11 عامًا للانضمام إلى جماعات إرهابية، تُصمم دعايتهم بعناية فائقة لتخاطب مشاعر الأطفال وهويتهم ورغباتهم»، وكشفت البيانات أن تنظيم القاعدة يضم حاليًا عددًا من المجندين يفوق ما كان عليه وقت أحداث 11 سبتمبر/أيلول، مع تقديرات بوجود نحو 25 ألف مقاتل محتمل موزعين في مناطق متعددة، دون تمركز واضح في دولة بعينها
مع تصاعد هذه التهديدات، يقدم خبراء الأمن السيبراني إرشادات لحماية الأطفال من مخاطر التجنيد الإلكتروني، أبرزها: مراقبة أنشطة الأطفال على الإنترنت، معرفة المنصات والألعاب التي يستخدمونها، متابعة الأشخاص الذين يتواصلون معهم، فتح حوار صريح حول مخاطر الإنترنت، استخدام أدوات الرقابة الأبوية، ويشدد الخبراء على أن بناء علاقة ثقة مع الأبناء يمثل خط الدفاع الأول ضد محاولات الاستقطاب، من جهتها، أكدت منصتا «ديسكورد» و«روبلوكس» التزامهما بمكافحة هذه الظاهرة، وتطوير آليات كشف المحتوى المتطرف، والتعاون مع السلطات الأمنية لملاحقة المشتبه بهم

