بين أزقة القاهرة القديمة، حيث الحارات الضيقة والمقاهي المفتوحة حتى الفجر، نشأت واحدة من أكثر الحكايات إثارة للجدل في تاريخ تجارة المخدرات في مصر، وهي حكاية “المعلمة مناعة”، المرأة التي تحولت من بائعة خضار بسيطة إلى اسم يهابه كبار التجار، لتعود قصتها اليوم إلى الواجهة عبر مسلسل “مناعة”، الذي تقوم ببطولته النجمة هند صبري في دور “غرام”، وتطلقه وتنتجه الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية.
تعود جذور الحكاية إلى حي الباطنية، الذي لم يُعرف في بداياته إلا كأحد أحياء القاهرة الشعبية، قبل أن يتحول تدريجيًا إلى مركز لتجارة المخدرات منذ أواخر الأربعينات، وتكثر في الثمانينات، حيث وقتها برز اسم نبوية، ابنة أحد التجار المعروفين في المنطقة، بعد وفاة زوج “نبوية” ووالدها في فترات متقاربة، وجدت نفسها مسؤولة عن أربعة أبناء، فبدأت العمل في تجارة الخضار، لكن ضغوط الحياة وعلاقات العائلة القديمة دفعتها إلى دخول عالم “الكيف” وتطلق على نفسها لقب “المعلمة مناعة”، لتبدأ من بيع المخدرات بالتجزئة، ثم تصعد سريعًا إلى مرتبة تاجر جملة، حتى أصبحت “المعلمة مناعة” الاسم الأبرز في السوق.
لم تكن قوة “مناعة” في الجرأة فقط، بل في التنظيم، حيث أنشأت شبكة من الرجال لمراقبة مداخل الحي، ووزعت تجارتها على مخازن سرية متفرقة لا يعرف مواقعها سوى الدائرة الضيقة حولها، فكانت تتحدى الشرطة علنًا، مؤكدة أن مخازنها عصية على الاكتشاف، وامتدت علاقات المعلمة مناعة إلى لبنان والمغرب، وأصبح دخول أي نوع جديد من الحشيش إلى السوق مرهونًا بموافقتها، والمفارقة شخصيتها كانت محبوبة في محيطها الشعبي، بل وارتبط اسمها بعلاقات مع شخصيات فنية بارزة في تلك الفترة.
نهاية الأسطورة جاءت بخطة محكمة، حين تنكر أحد الضباط في هيئة تاجر أجنبي واستدرجها لصفقة مباشرة انتهت بالقبض عليها متلبسة بكمية محدودة، ليصدر الحكم بسجنها عشر سنوات في القناطر، بينما ظلت بقية شبكتها غامضة، داخل السجن، حافظت المعلمة مناعة على نفوذها، قبل أن تعلن توبتها بعد خروجها، متأثرة بموقف إنساني جمعها بابنتها، لتنتهي هكذا سيرة امرأة صنعت إمبراطورية في الظل، ثم انسحبت منها فجأة، مسلسل “مناعة” لا يكتفي بسرد الوقائع، بل يقدم معالجة درامية لشخصية معقدة، تجمع بين القوة والهشاشة، الطموح والأمومة، حيث إن العمل يطرح سؤالًا أعمق، وهو: كيف يمكن لامرأة أن تقتحم عالمًا يهيمن عليه الرجال، وتفرض قواعدها الخاصة
بإنتاج ضخم ورؤية معاصرة، يعيد العمل إحياء واحدة من أشهر قصص الباطنية، لا بهدف تمجيدها، بل لفهم سياقها الاجتماعي والاقتصادي، وتحليل التحولات التي صنعتها.

