تم تحديثه الثلاثاء 2026/2/17 11:36 ص بتوقيت أبوظبي
في قلب الحي الدبلوماسي بجنيف، يقع فندق تاريخي فاخر، حيث تُصاغ التفاهمات وتُختبر النوايا وتُدار أكثر الملفات تعقيدًا في العالم.
فندق «انتركونتنينتال» بجنيف يستضيف، الثلاثاء، جولة جديدة من المفاوضات الروسية – الأوكرانية، ليضيف إلى سجله الطويل محطة دبلوماسية جديدة منذ افتتاحه عام 1964، حيث لم يكن الفندق يومًا مجرد مكان إقامة فاخر بل تحول إلى «مسرح خلفي» للمحادثات الحساسة ومكمّل عملي لقاعات قصر الأمم القريب.
اسم الفندق ارتبط بسلسلة من القمم السورية – الأمريكية التي كان الرئيس السوري حافظ الأسد طرفًا ثابتًا فيها، ففي 9 مايو/أيار 1977 استضاف الفندق لقاءه مع الرئيس الأمريكي جيمي كارتر لبحث الصراع العربي الإسرائيلي، وتكرر المشهد في 23 نوفمبر/تشرين الثاني 1990 مع الرئيس الأمريكي جورج بوش الأب، ثم استضاف في 16 يناير/كانون الثاني 1994 قمة جديدة بين الأسد والرئيس الأمريكي بيل كلينتون ضمن محاولات دفع مسار السلام السوري – الإسرائيلي، وبين عامي 1977 و2000 احتضن الفندق أربع قمم سورية – أمريكية، مما كرّسه منصة ثابتة للحوار غير المباشر بين دمشق وواشنطن.
وفي ذروة الحرب الباردة، كان الفندق جزءًا من مشهد قمة جنيف عام 1985 التي جمعت الرئيس الأمريكي رونالد ريغان والزعيم السوفياتي ميخائيل غورباتشوف، حيث مهّدت تلك القمة لانفراج تاريخي في سباق التسلح النووي وأرست مسارًا انتهى بتوقيع معاهدة إزالة الصواريخ المتوسطة المدى، كما شكل الفندق امتدادًا عمليًا لمؤتمر السلام في الشرق الأوسط، إذ عقد وزير خارجية الاتحاد السوفياتي أندريه غروميكو ووزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اجتماعات موازية داخله استمرت لسنوات بعيدًا عن الأضواء الرسمية.
قبيل اندلاع حرب الخليج الأولى عام 1991، استضاف الفندق لقاء جمع نائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز ووزير الخارجية الأمريكي جيمس بيكر في محاولة أخيرة لتفادي المواجهة العسكرية، وفي 12 سبتمبر/أيلول 2013، جمع الفندق وزير الخارجية الأمريكي جون كيري ونظيره الروسي سيرغي لافروف لمناقشة ملف الأسلحة الكيميائية في سوريا، في لحظة توتر دولي حاد انتهت بتفاهمات حول آلية التعامل مع الترسانة الكيميائية السورية.
رغم أن قمة 2021 بين الرئيس الأمريكي جو بايدن والرئيس الروسي فلاديمير بوتين عُقدت رسميًا في فيلا «لا غرانج»، فإن الفندق استضاف إقامة الوفود المرافقة، كما أقام فيه أو زاره عدد من الشخصيات العالمية مثل نيلسون مانديلا والأميرة ديانا وإنديرا غاندي والدالاي لاما خلال مشاركاتهم في فعاليات أممية، بموقعه القريب من مقار المنظمات الدولية وسهولة تأمينه، استضاف الفندق أيضًا اجتماعات مرتبطة بمنظمة «أوبك» ومؤتمرات أممية متخصصة، منها مؤتمر الاتصالات IEEE عام 1993.
اليوم، ومع احتضانه مفاوضات روسية – أوكرانية، يعود الفندق ليؤكد دوره التاريخي، ليس مجرد مبنى فندقي فاخر بل مساحة تتقاطع فيها المصالح وتُدار فيها الأزمات وتُختبر فيها فرص السلام، وفي أروقته غالبًا ما تبدأ القصص التي تغيّر مسار السياسة الدولية حتى قبل أن تُعلن رسميًا.

