بدأ في الأسواق العالمية انكشافُ جانب مختلف من ثورة الذكاء الاصطناعي.
لا يتعلق الأمر فقط بالفرص والنمو، بل هناك موجة قلق عميقة لدى المستثمرين حول حجم الاضطراب الذي يمكن أن يحدثه في قطاعات اقتصادية متعددة، حيث تبين في تحليل نشره موقع “ياهو فاينانس” أن تأثير الذكاء الاصطناعي لم يعد مقتصرًا على شركات التكنولوجيا والبرمجيات، بل امتد بشكل سريع إلى قطاعات الخدمات المالية وإدارة الثروات والنقل والخدمات اللوجستية، وهذا الانتشار أثار تساؤلات جوهرية حول مدى قدرة التكنولوجيا الجديدة على إعادة تشكيل الأعمال التقليدية، خاصة تلك التي تعتمد على الرسوم المرتفعة والخدمات البشرية المتخصصة.
شهدت الأسواق الأمريكية حالة تراجع جماعي، حيث سجلت المؤشرات الرئيسية خسائر ملحوظة مع تصاعد المخاوف من التأثيرات المحتملة للذكاء الاصطناعي، وامتدت عمليات البيع إلى أسهم التكنولوجيا والخدمات المالية والقطاعات الاستهلاكية، مما يعكس تحولًا واضحًا في مزاج المستثمرين من التفاؤل إلى الحذر، تكبد قطاع التكنولوجيا خسائر بمئات المليارات بعدما تسبب الإنفاق المفرط على الذكاء الاصطناعي وضبابية توقعات الأرباح في مراجعة المستثمرين لاستراتيجياتهم وتقليص استثماراتهم في أسهم شركات التكنولوجيا الكبرى، إذ هوت أسهم مايكروسوفت بنسبة 17% منذ بداية العام، ما محا أكثر من 600 مليار دولار من قيمتها السوقية، بينما انخفضت أسهم أمازون بنسبة تقارب 14%، لتخسر نحو 343 مليار دولار من قيمتها السوقية، كما شهدت القيمة السوقية لشركات إنفيديا وأبل وألفابت انخفاضات حادة أيضًا، وفي المقابل، صعدت قيمة أسهم الشركات التقليدية الكبرى مثل وولمارت وسامسونغ خلال الفترة نفسها.
هذا التحول لم يكن مدفوعًا بأداء مالي ضعيف للشركات، بل بخوف متزايد من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى تقليص هوامش الربحية المستقبلية، خصوصًا في الصناعات التي تعتمد على العمالة البشرية أو الخدمات الاستشارية مرتفعة التكلفة، أما أحد أبرز الأمثلة على هذا القلق، فظهر في قطاع النقل والخدمات اللوجستية، حيث تعرضت شركات كبرى لضغوط قوية بعد إعلان شركة ناشئة عن أداة تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على زيادة حجم الشحنات دون الحاجة إلى زيادة العمالة، وأثار هذا التطور مخاوف المستثمرين من أن تتحول الشركات التقليدية إلى كيانات أقل كفاءة مقارنة بالمنافسين الذين يعتمدون على التشغيل الآلي والخوارزميات المتقدمة، ما قد يؤدي إلى تآكل حصصها السوقية بسرعة، ولم يكن قطاع إدارة الأصول بمنأى عن هذه الموجة، فقد تراجعت أسهم شركات إدارة الثروات بعد إطلاق أدوات مدعومة بالذكاء الاصطناعي قادرة على تصميم استراتيجيات مالية مخصصة للعملاء تلقائيًا، وهذا النوع من الابتكار يهدد أحد أهم مصادر أرباح القطاع، وهو الرسوم الاستشارية المرتفعة، إذ يمكن للذكاء الاصطناعي تقديم نفس الخدمات بجزء بسيط من التكلفة، أما القطاع الأكثر تأثرًا فكان شركات البرمجيات، حيث يخشى المستثمرون من أن تصبح أدوات الذكاء الاصطناعي قادرة على تنفيذ مهام كانت حكرا على تلك الشركات، فمجرد احتمال أن تقوم الأنظمة الذكية لوظيفة البرامج التقليدية أو تقلل الحاجة إليها، قد دفع المستثمرين إلى إعادة تقييم الأسعار المرتفعة لهذه الشركات، مما أدى إلى موجة هبوط حادة.
لكن رغم حالة القلق، يرى كثير من المحللين أن عمليات البيع ربما كانت مبالغًا فيها، فأساسيات الاقتصاد لا تزال قوية، والطلب على التكنولوجيا والابتكار مستمر، ويشير خبراء الأسواق إلى أن الذكاء الاصطناعي لن يؤدي فقط إلى خسائر لبعض الشركات، بل سيفتح أيضًا فرصًا ضخمة للشركات القادرة على دمجه في نماذج أعمالها وتحسين الكفاءة التشغيلية، فالذكاء الاصطناعي مثل سلاح ذو حدين للأسواق المالية، فمن جهة، يهدد بإعادة رسم خريطة قطاعات كاملة وتقليص هوامش الربح التقليدية، ومن جهة أخرى يخلق موجة جديدة من النمو والإنتاجية والابتكار، وبالتالي، فبالنسبة للمستثمرين، لا يعني التحول التكنولوجي انهيارًا شاملًا، بل انتقالًا نحو نموذج اقتصادي جديد تكون فيه القيمة للشركات الأكثر قدرة على التكيف، وليس فقط الأكثر حجمًا أو تاريخًا.

