مدفع الإفطار يُعتبر من أبرز الرموز المرتبطة بشهر رمضان في مصر والعالم الإسلامي، حيث ارتبط صوته عبر عقود طويلة بلحظة غروب الشمس وإعلان موعد الإفطار، وقد تحول من واقعة عابرة إلى تقليد شعبي متوارث، حكاية مدفع الإفطار تعود إلى القرن التاسع عشر حين تشير روايات تاريخية إلى أن إطلاقه جاء بالمصادفة من قلب قلعة صلاح الدين الأيوبي بالقاهرة خلال تجربة أحد المدافع في وقت غروب الشمس خلال شهر رمضان، وتزامن إطلاق القذيفة مع أذان المغرب، فظن الناس أن الأمر مقصود لإعلامهم بموعد الإفطار، وسرعان ما لاقى هذا الأسلوب استحسانًا واسعًا بين الأهالي.

ومع تكرار التجربة، أدركت الدولة المملوكية الحاكمة بمصر آنذاك أهمية المدفع كوسيلة دقيقة وموحدة لإعلان موعد الإفطار، خاصة في زمن لم تكن فيه الساعات منتشرة أو وسائل الاتصال متاحة للجميع، وبمرور الوقت، جرى اعتماد مدفع الإفطار بشكل رسمي ليُطلق يوميًا مع غروب الشمس طوال شهر رمضان، ثم أُضيف لاحقًا مدفع السحور في بعض المدن، وبعد أن أثبتت التجربة نجاحها في مصر، سرعان ما انتقل تقليد مدفع الإفطار إلى عدد من الدول الإسلامية، إذ اعتمدته إسطنبول خلال العهد العثماني، ومنها انتشر إلى بلاد الشام، ثم وصل إلى مكة والمدينة المنورة، قبل أن يمتد إلى شمال إفريقيا، وحتى بعض مناطق آسيا الوسطى.

ولم يقتصر دور مدفع الإفطار على كونه وسيلة تنبيه، بل تحوّل إلى رمز احتفالي يحمل دلالات اجتماعية وروحانية، وارتبط بذكريات جماعية لدى الكبار والصغار، ومع تطور وسائل التكنولوجيا الحديثة وظهور الإذاعة والتليفزيون والتطبيقات الذكية، ظل المدفع حاضرًا في عدد من الدول العربية، حفاظًا على قيمته التراثية، ورغم أن الحاجة العملية لمدفع الإفطار تراجعت، فإن استمراره يعكس تمسك المجتمعات بعناصر هويتها الرمضانية، فصوت المدفع لم يعد مجرد إعلان للإفطار، بل أصبح جزءًا من طقوس الشهر الكريم، يستحضر الماضي ويجسد روح البهجة والترابط الاجتماعي التي تميّز رمضان.