تستمر السعودية والإمارات في استيراد كميات كبيرة من السلع الغذائية سنويًا، رغم استثماراتهما الضخمة في مشاريع الزراعة الصحراوية والتقنيات الزراعية الحديثة. تأتي هذه الجهود ضمن خطط تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتقليل الاعتماد على الخارج، ولكن الأسواق المحلية لا تزال تعتمد بشكل كبير على واردات القمح والأرز واللحوم والخضروات من مناطق مثل آسيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية.
هذا التباين بين الطموح للاكتفاء الذاتي والواقع الفعلي لحجم الاستيراد يثير تساؤلات حول جدوى وكلفة الزراعة في بيئة صحراوية شديدة الحرارة، وكذلك حول الاستراتيجية التي تتبعها دول الخليج لتحقيق توازن بين الإنتاج المحلي وتأمين الإمدادات عبر التجارة العالمية.
مفارقة الخليج.. مزارع عملاقة ورفوف مليئة بالمستورد
في متاجر مثل كارفور في دبي أو لولو هايبر ماركت في جدة، تكشف ملصقات المنشأ عن حقائق واضحة، حيث نجد طماطم من الأردن، خيار من تركيا، أرز من الهند، ولحوم من البرازيل. ورغم المشاريع الزراعية الطموحة في السعودية والإمارات، مثل المزارع العمودية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي وبيوت الزجاج المبردة، تستمر العقود السنوية لاستيراد القمح والدواجن والألبان، بل وحتى التمور.
تظهر المفارقة بشكل أكبر عند الخروج من أبوظبي نحو الربع الخالي، حيث تتواجد دوائر خضراء مرسومة بأنظمة ري وسط بحر من الرمال، مما يبرز التحديات الكبيرة في إنتاج الغذاء في هذه البيئة القاسية.
“درس القمح” عندما استنزفت الصحراء مخزونها المائي
في الماضي، حاولت السعودية تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح، وضخت مياه جوفية عميقة استغرقت آلاف السنين لتتجمع. لكن بحلول عام 2016، أوقفت المملكة برنامجها المحلي بعد استنزاف طبقات المياه الأحفورية وارتفاع تكلفة إنتاج الطن إلى مستويات مرتفعة. اليوم، يعتمد القمح السعودي بشكل أساسي على الواردات من روسيا وأوكرانيا وأستراليا.
لقد كان درسًا قاسيًا في الرياض وأبوظبي، حيث يمكن زراعة كل شيء محليًا، لكن قد تنفد المياه قبل أن ينفد الخبز.
لماذا تستمر الخطط “التريليونية” إذن؟
الجواب هنا متعدد الأبعاد:
1- الأمن في عالم غير مستقر
تتسبب الحروب في مناطق إنتاج الحبوب والصدمات المناخية وقيود التصدير المفاجئة في انعكاسات سريعة على مطابخ الخليج. فعندما قيدت الهند صادرات الأرز في عام 2023، سارعت الإمارات إلى التفاوض على استثناءات وتنويع الموردين، مما جعل الأمن الغذائي مرادفًا للأمن الطاقي.
2- القوة والرمزية السياسية
برامج مثل نيوم في السعودية لا تقتصر على العمران، بل تشمل ذراعًا زراعيًا يسعى إلى “فصل الغذاء عن التربة والمناخ”، مما يتجاوز الزراعة التقليدية إلى تقنيات حديثة مثل الاستشعار الذكي والري التنبؤي.
3- العلامة الوطنية (Branding)
في عصر الاقتصاد المعرفي، تحتاج الدول إلى سردية نجاح مرئية، وتبرز الزراعة الصحراوية عالية التقنية كصورة جذابة، حتى وإن كانت السفن المحملة بالغذاء تبقى ركيزة أساسية.
لماذا لا يتم زراعة كل شيء محليا؟
لا تزال الحسابات الاقتصادية قاسية، حيث إن تحلية المياه مكلفة وتستهلك طاقة هائلة، وتبريد البيوت الزجاجية عند درجات حرارة مرتفعة يتطلب استهلاكًا كبيرًا للطاقة. كما أن الإنتاج المحلي يحتاج إلى دعم حكومي كبير ليتمكن من منافسة الواردات من دول ذات مناخ أكثر اعتدالًا.
تتحدث الحكومات اليوم عن “التوازن الاستراتيجي”، حيث يتم زراعة جزء محلي مهما كانت التكلفة، وتأمين جزء آخر بعقود طويلة الأمد، والاستثمار في أراض زراعية خارجية في أفريقيا وأوروبا الشرقية.
تأثيرات أبعد من الخليج
عندما تتنافس دول نفطية ثرية على شحنات القمح، قد تجد دولًا أفقر نفسها أمام أسعار أعلى وإمدادات أقل. كما أن هناك بعدًا ثقافيًا، حيث ينشأ الجيل الجديد على استهلاك فواكه مثل التوت الشتوي والأفوكادو على مدار العام، في حين كانت الأجيال السابقة تعيش على التمور واللبن والخبز المحلي.
الهدر الغذائي.. الحلقة المنسية
لا يمكن الحديث عن الأمن الغذائي في الخليج دون التطرق إلى حجم الهدر، حيث تُلقى كميات كبيرة من الطعام في النفايات نتيجة البوفيهات الفاخرة ومناسبات الأعراس.
التكنولوجيا ليست الحل الكامل
يؤكد مستشار سياسات غذائية رفيع في الإمارات أن الزراعة عالية التقنية جزء من الحل، لكنها ليست كل الحل. تحتاج الدول إلى مشاريع أكثر صلابة تشمل تخزين، اتفاقيات تجارية، تنويع مصادر، وتغيير في أنماط الاستهلاك.
فالخليج لا يسعى إلى إلغاء الاستيراد، بل إلى إدارة مخاطره، حيث إن الأمن الغذائي ليس مجرد شعار للاكتفاء الذاتي الكامل، بل هو معادلة دقيقة تجمع بين الإنتاج المحلي والتجارة العالمية والاحتياطيات الاستراتيجية.

