تستعد السعودية والإمارات لاستيراد ملايين الأشجار سنوياً من أوروبا وآسيا وأفريقيا، في إطار خطط تهدف لمواجهة ارتفاع درجات الحرارة في المدن، وذلك بعد سنوات من التوسع العمراني السريع. تأتي هذه الخطوة ضمن استراتيجيات بيئية تهدف إلى تقليل تأثير “الجزر الحرارية” الناتجة عن انتشار الطرق الواسعة والمباني الخرسانية، عبر زيادة المساحات الخضراء وتعزيز الغطاء النباتي في الأحياء السكنية والمشاريع الجديدة.
يعكس هذا التحرك استراتيجية مناخية واضحة، حيث تحولت مدن صحراوية إلى مراكز حضرية ضخمة، وأصبحت درجات الحرارة المرتفعة تشكل تحدياً يومياً للحياة الحضرية. وقد دفعت هذه الظروف الحكومات إلى استيراد ملايين الأشجار سنوياً. ومع تأكيد الجهات الرسمية على أن التشجير جزء أساسي من خطط التكيف المناخي وتحسين جودة الحياة، يثير حجم الاستيراد وكلفة الري والصيانة تساؤلات حول الاستدامة طويلة المدى وقدرة البيئة الصحراوية على استيعاب هذا التوسع الأخضر.
التوسع العمراني وحرارة لا تُحتمل
شهدت مدن مثل الرياض ودبي وأبوظبي توسعاً عمرانياً سريعاً خلال العقدين الماضيين، مع إنشاء شبكات طرق واسعة وأبراج زجاجية ومجمعات سكنية كثيفة. وقد أدى هذا النمو إلى ظاهرة “الجزيرة الحرارية الحضرية”، حيث ترتفع درجات الحرارة في المناطق المبنية عدة درجات عن المناطق المفتوحة. تشير دراسات جامعية في الخليج إلى أن الشوارع المظللة بالأشجار قد تكون أبرد بما بين 5 إلى 10 درجات مئوية مقارنة بالشوارع المكشوفة، وأن الأحياء ذات الغطاء النباتي الكثيف تسجل انخفاضاً ملحوظاً في حرارة الأسطح وفق صور الأقمار الصناعية. لهذا السبب، تتجه البلديات إلى استيراد شتلات من إسبانيا وإيطاليا وكينيا وأستراليا، بناءً على قدرتها على تحمل الحرارة والملوحة.
مشاريع عملاقة.. وأهداف بعيدة المدى
في الرياض، يُعتبر مشروع حديقة الملك سلمات أحد أكبر الحدائق الحضرية المخطط لها عالمياً، ويمثل جزءاً من رؤية أوسع لتعزيز المساحات الخضراء. كما تروّج المملكة لمبادرة السعودية الخضراء التي تستهدف زراعة 10 مليارات شجرة خلال العقود المقبلة. في الإمارات، برزت مبادرات للتوسع في الأحزمة الخضراء وزراعة أشجار القرم (المانجروف)، خاصة بعد استضافة الدولة لمؤتمر المناخ COP28، لتعزيز صورتها كمركز إقليمي للاستدامة. يرى مراقبون أن الأشجار ليست مجرد عنصر بيئي، بل أداة سياسية ورمزية تعكس الالتزام بالتحول المناخي في ظل انتقادات دولية متزايدة للدول النفطية.
الكلفة الخفية.. هل يمكن “استيراد غابة” إلى الصحراء؟
تختلف زراعة الشجرة في شبه الجزيرة العربية جذرياً عن زراعتها في مناخ أوروبي معتدل، حيث تحتاج كل شتلة إلى نظام ري بالتنقيط، ومياه معالجة أو محلاة، وحماية من الرياح والرمال، وصيانة مستمرة لسنوات. يحذر خبراء تخطيط عمراني من أن الاعتماد على أنواع غير محلية قد يزيد استهلاك المياه في منطقة تعتمد أصلاً على تحلية مياه البحر، وهي عملية كثيفة الاستهلاك للطاقة. كما يشيرون إلى مخاطر استنزاف المياه الجوفية إذا لم تتم إدارة الري بكفاءة. ويختصر أحد مهندسي المناظر الطبيعية في دبي الفكرة بقوله: “زراعة الأشجار في الصحراء لا تعني استنساخ حدائق أوروبا. إذا لم تتوافق الشجرة مع تربة ومياه ومناخ المكان، فهي مجرد زينة باهظة الثمن”.
بين الطموح والواقعية.. نحو تخضير أكثر ذكاءً
في السنوات الأخيرة، بدأ توجه أكثر واقعية في الظهور، حيث تعتمد مدن خليجية الآن على إعادة استخدام المياه المعالجة لري الحدائق، وتصميم “أحواض أشجار” تجمع مياه الأمطار النادرة بدلاً من فقدانها في شبكات التصريف، وأنظمة ري ذكية تعمل ليلاً لتقليل التبخر، والمزج بين الأنواع المستوردة والأشجار المحلية المقاومة للجفاف مثل الغاف والسدر والأكاسيا. كما يتزايد التركيز على حلول مكملة، مثل الأرصفة العاكسة للحرارة، والممرات المظللة، وتقليل مساحات الإسفلت الداكن، بدلاً من الاعتماد على الأشجار وحدها.
جدل محلي.. وأسئلة مفتوحة
رغم الترحيب الشعبي بالحدائق الجديدة والممرات المظللة، يطرح بعض السكان تساؤلات حول كلفة المياه والطاقة اللازمة للحفاظ على هذا الغطاء الأخضر، فالشجرة التي تمنح ظلاً مريحاً في أغسطس تحتاج إلى نظام دعم مستمر قد يمتد لعقود.

