يشهد الاقتصاد العالمي في الوقت الراهن سباقًا محمومًا لتأمين مخزون من المعادن الحيوية، حيث تسعى الحكومات لضمان الوصول إلى الموارد الأساسية التي تعتبر ضرورية للأمن القومي ودعم السياسات الصناعية. وأشار تقرير معهد “تشاتام هاوس” الذي نقلته شبكة “سي إن بي سي” إلى أن المعادن والمواد الخام هي المجالات الأكثر وضوحًا في هذه الموجة الجديدة من التخزين.

استراتيجيات جديدة لتأمين المعادن

كشف التقرير عن خطة في الولايات المتحدة لإنشاء احتياطي استراتيجي للمعادن بقيمة حوالي 12 مليار دولار، تهدف إلى تعزيز مرونة سلاسل الإمداد للصناعة الأمريكية من خلال تخزين العناصر الأرضية النادرة والمعادن الأساسية لقطاعات الكهرباء والدفاع والتصنيع المتقدم. ويكمل هذا المشروع مبادرات أخرى مثل منتدى الانخراط الجيوستراتيجي للموارد، الذي ينسق سياسات تسعير ومشروعات المعادن الحيوية، بالإضافة إلى مبادرة أمن سلاسل إمداد السيليكا لحماية سلاسل توريد الصناعات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

وفي آسيا والمحيط الهادئ، أعلنت أستراليا في يناير الماضي عن خطط لإطلاق احتياطي استراتيجي مدعوم حكوميًا بقيمة 800 مليون دولار، مع التركيز على معادن مثل الأنتيمون والغاليوم والعناصر الأرضية النادرة. كما طرحت كوريا الجنوبية هذا العام استراتيجية شاملة للمعادن الحيوية بدعم حكومي يبلغ حوالي 172 مليون دولار، تشمل توسيع أحجام المخزون والبنية التحتية المرتبطة به.

أما الاتحاد الأوروبي، فيعمل على تطوير احتياطي مشترك للمواد الخام الحيوية ضمن استراتيجيته الخاصة بالموارد، مع توقع أن تقود كل من إيطاليا وفرنسا وألمانيا هذا التوجه. وفي سياق متصل، اتفقت الهند والبرازيل مؤخرًا على تعميق التعاون في مجال المعادن الحيوية والعناصر الأرضية النادرة، في إطار مساعي نيودلهي لتنويع مصادر الإمداد وتقليص الاعتماد على الصين، مما يعزز مرونة سلاسل التوريد لقطاعات الطاقة النظيفة والتكنولوجيا والدفاع.

تحديات وآفاق جديدة

يرى خبراء أن هذا التحول يعكس صعود ما يعرف بـ”تصاعد القومية في إدارة الموارد”، حيث تسعى الدول إلى تقليص تعرضها لسلاسل توريد تتركز جغرافيا وتخضع لقيود تصديرية. وقد أشار باحثون في المعهد إلى أن موجة التخزين الحالية قد تنزلق نحو الاكتناز إذا افتقرت إلى الشفافية أو تحولت إلى أداة ضغط جيوسياسي.

وتجمع تحليلات الأسواق على أن سلاسل توريد المعادن أصبحت أكثر هشاشة نتيجة سنوات من ضعف الاستثمار وطول فترات إصدار التراخيص، بالإضافة إلى تركيز عمليات المعالجة في عدد محدود من الدول. ووفقًا لمحللين في أحد المصارف الأوروبية الكبرى، فإن ارتفاع الأسعار لم يعد كافيًا لتحفيز استجابة سريعة من جانب العرض، مما يجعل المخزونات الاستراتيجية جزءًا من معادلة تأمين الإمدادات.

كما أن الصين سبقت معظم الدول في هذا المجال من خلال بناء احتياطيات استراتيجية من المعادن وإدارتها بشكل نشط، حيث تقوم بالإفراج عن المخزون عند نقص الإمدادات أو لتهدئة الأسعار المحلية. وتسيطر بكين على حصة كبيرة من قدرات معالجة العناصر الأرضية النادرة وتكرير المعادن الصناعية عالميًا، حتى في الحالات التي تكون فيها الاحتياطيات موزعة جغرافيا.

مخاطر جيوسياسية وتأثيرات مستقبلية

حذرت وكالة الطاقة الدولية مرارًا من أن التركز الشديد في سلاسل توريد المعادن الحيوية يمثل ثغرة أمنية عالمية، خصوصًا بعد فرض الصين قيودًا على صادرات العناصر الأرضية النادرة العام الماضي، مما خلق مخاطر اقتصادية وأمنية لقطاعات حيوية مثل الطاقة والسيارات والدفاع والطيران والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات.

ويؤكد محللون أن الدورة الحالية لبناء المخزونات تختلف عن سابقاتها، حيث لم تعد مدفوعة فقط باختلالات العرض والطلب أو الصدمات المناخية، بل أصبحت المخاطر الجيوسياسية والسياسات الصناعية عوامل مباشرة في تشكيل اتجاهات الأسواق. وقد وصف أحد المصارف الاستثمارية الأمريكية الكبرى الارتفاع الأخير في الطلب على الذهب والمعادن الصناعية بأنه طلب ذو طابع تحوطي، مما يشير إلى سعي الحكومات للتحوط ضد اضطرابات مستقبلية محتملة.

تتوقع الأوساط التحليلية تسارع وتيرة التخزين الحكومي، لا سيما للمعادن المرتبطة بانتقال الطاقة والصناعات الدفاعية، مع تحول سلاسل التوريد من كونها تدفقات تجارية بحتة إلى مكونات أساسية في منظومة الأمن القومي. ويعكس تسارع بناء المخزونات الاستراتيجية للمعادن الحيوية تحولًا هيكليًا في نظرة الحكومات إلى الموارد الطبيعية، من سلع تخضع لمنطق السوق إلى أصول سيادية ترتبط مباشرة بالأمن القومي والتنافس الصناعي.

ومع احتدام الصراعات الجيوسياسية وتسارع التحول نحو الطاقة النظيفة والتقنيات المتقدمة، يبدو أن سباق تأمين المعادن لن يكون موجة عابرة، بل سمة دائمة في مرحلة جديدة يعاد فيها رسم خريطة سلاسل الإمداد العالمية وفق اعتبارات القوة والاعتماد المتبادل.