منذ عرض مسلسل “رأس الأفعى”، بدأ العديد من أنصار جماعة الإخوان المسلمين أو المتعاطفين معها بمهاجمة العمل والتشكيك في الأحداث التي تم تناولها، دون أن يكلف البعض نفسه العودة إلى المصادر التي استند إليها المسلسل.

اعتمدت حملات التشكيك على نشر معلومات مضللة، حيث زعم البعض أن المسلسل أشار إلى مشاركة محمود عزت في محاولة اغتيال الرئيس الراحل جمال عبد الناصر عام 1954، رغم أن عمره كان عشر سنوات حينها. لكن المسلسل لم يذكر ذلك، بل تناول دوره في تنظيم 1965 المرتبط بأفكار سيد قطب، وكان عمره وقتها 21 عامًا، وهي القضية التي سُجن بسببها لمدة تسع سنوات، والفارق بين التاريخين واضح، لكن ماكينة التشكيك لم تهتم بالدقة بقدر ما أرادت إسقاط العمل بالكامل.

أحد أبرز ما كشفه المسلسل هو ظاهرة يمكن وصفها بـ”المكارثية الإخوانية”، وهو مصطلح يعود إلى السيناتور الأمريكي جوزيف مكارثي الذي قاد في خمسينيات القرن الماضي حملة اتهامات واسعة ضد العديد من الأشخاص بالشيوعية أو العمالة دون أدلة واضحة، مما حول الاتهام إلى أداة سياسية.

يظهر أن الشك ليس حالة طارئة داخل جماعة الإخوان، بل هو جزء من البنية التنظيمية، حيث يراقب الجميع بعضهم البعض، والاتهام بالاختراق حاضر في أي خلاف. وقد كشفت حلقات المسلسل أن قيادات الجماعة لم تتردد في اتهام أقرب المقربين إليها بالارتباط بالأجهزة الأمنية، وأحيانًا لم يكن الاتهام قائمًا على دليل، بل كان وسيلة لحسم صراع داخلي أو إقصاء منافس.

تناول المسلسل الصراعات التي اندلعت داخل الجماعة بعد عام 2013، خاصة الخلاف بين جبهة محمد كمال المعروفة بـ”الكماليين”، وجبهة محمود عزت، حيث عكس العمل أجواء التوتر والشك التي سيطرت على العلاقة بين الطرفين. في أحد المشاهد، يظهر حديث منسوب إلى محمد كمال مع محمد منتصر، حيث قال كمال إن عزت “كبر وخرف”، ثم طرح تساؤلًا حول إمكانية تسليمه، ليجيب منتصر “اللي تشوفه يا دكتور”.

كما يصور العمل حالة الشك المتبادل داخل القيادة، حيث بدا أن محمود عزت نفسه كان ينظر بريبة إلى تحركات محمد كمال ومحمد منتصر. فقد اتهم كمال بأنه يسعى لتغيير واسع داخل بنية الجماعة بعد أن استبدل 90% من القيادات بعناصر شابة تدين له بالولاء، كما شكك في روايات منتصر ووصفه بالكاذب، مما جعل التخوين سلاحًا جاهزًا في الصراع الداخلي.

تجدر الإشارة إلى أن ثقافة الشك داخل جماعة الإخوان لم تعد مجرد عرض جانبي، بل أصبحت أسلوب حياة سياسي. فالتنظيم الذي قام على السرية والتربية المغلقة بات يرى العالم مؤامرة محتملة، حيث يُعتبر الخصم عميلًا، والناقد مخترقًا، وحتى الحليف قد يتحول في لحظة إلى متهَم ينتظر المحاكمة التنظيمية. في كثير من الأحيان، لا يحتاج الأمر إلى دليل، يكفي أن تختلف أو تطرح سؤالًا لتصبح في خانة “المشبوهين”، مما جعل التنظيم يعيش في دائرة لا تنتهي من الشك.

ولا يختلف المشهد كثيرًا لدى بعض التيارات اليسارية التي تدعي الوطنية الثورية، بينما تمارس توزيع شهادات الوطنية وسحبها. فكما لدى الإخوان “عميل الأمن”، لدى بعض اليساريين “الرجعي” و”الممول” و”المخترق”، وتستخدم هذه التهم كرصاص سياسي سريع لا يحتاج إلى تحقيق أو أدلة.

المفارقة أن الكثير من الذين يطلقون هذه الأحكام كانوا بدورهم على علاقات مع السلطة أو المؤسسات أو التمويل، لكنهم يفضلون تجاهل ذلك وهم ينصبون أنفسهم محاكم ثورية تمنح البراءة لمن تشاء، وتصدر أحكام التخوين على من تشاء، مما يبرز التقاء التطرفين بين إخواني يرى نفسه الطليعة المؤمنة، ويساري يرى نفسه الطليعة الثورية، وكلاهما يمارس اللعبة ذاتها.

المشكلة الحقيقية ليست في العمل الدرامي أو المقال الصحفي، بل في رد الفعل الذي يكشف جوهر الأزمة، فبدلاً من مناقشة الوقائع أو تفنيدها بالحجة، يلجأ البعض إلى أسهل الطرق عبر التخوين والتشويه وإطلاق الاتهامات، وهذه هي العقلية التي حاول المسلسل تسليط الضوء عليها، عقلية ترى العالم من خلال نظرية المؤامرة الدائمة.